اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٢٥ أيار ٢٠٢٦
لا يعزل الخطاب السياسيّ المحلّي المستجدّ اليوم، في ظلّ التجاذبات المحيطة بالمفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية، مدينة طرابلس وأهلها عن قضية التحرير ووجوب مقاومة العدوان. ومع حلول عيد 'المقاومة والتحرير'، يلحظ المراقبون أنّ مفهوم المقاومة بحدّ ذاته في طرابلس، لم يتغيّر وما زال ثابتًا، غير أنّ ما تبدّل فعليًا هو الدّور الذي يُؤدّيه 'حزب الله'، الذي تولّى مهمّة محاربة العدو منفردًا عبر استراتيجيات عسكرية وسياسية أقحمت لبنان في صراعات إقليمية تخدم الأجندة الإيرانية لا الوطنية، متجاهلًا مصالح بيئته الحاضنة، في وقتٍ يُواصل فيه الكيان الإسرائيليّ قضم الأراضي اللبنانية جنوبًا وتهجير السكّان.
وفي هذه المناسبة، يستذكر طرابلسيّون عبر موقع 'لبنان الكبير' قيمة هذا الحدث وثقله في ذلك الوقت، مستحضرين 'قافلة التحرير' التي جابت ساحة النور وغيرها من المحطّات التي لعبت فيها فئات طرابلسيّة دورًا داعمًا للتحرير. وفي المقابل، يُؤكّد الكثيرون أنّ ما عاشه أبناء المدينة حينها كان 'عاطفة' صادقة، كان يُفترض أنْ تستمرّ أو تبقى حيّة على الأقلّ، 'لولا كشف الأقنعة وسقوطها، لا في الحرب الأخيرة فحسب، بل منذ اغتيال الرّئيس الشهيد رفيق الحريري وأحداث 7 أيّار العام 2008'.
ويتحدّث أحد المواطنين (الذي فضّل عدم ذكر اسمه)، عن يوم التحرير بغصّة، قائلًا لموقع 'لبنان الكبير': 'آمنّا بفكرة المقاومة في تلك الفترة، واستمرّ هذا الاعتقاد إلى العام 2006، حتّى تبدّل كلّ شيء عقب أحداث 7 أيّار المشؤومة، حين وجّه عناصر الحزب سلاحهم ضدّنا، ليتّضح أنّ السلاح كان موجّهًا إلى صدورنا لا لحمايتنا'.
ويُضيف: 'لقد تسمّرنا يوم التحرير أمام شاشات التلفاز نُتابعه، خطوة بخطوة، وكان مزاجنا العام مؤيّدًا، كما غصّت طرابلس بالمسيرات التي استمرّت لسنوات بعده، وفرح أهلها بتحرير الجنوب كما فرحوا بمعركة العام 2006. ولكن بعد كلّ هذه الأعوام، انقلب المشهد، ولم يعد ما سُمّي حينها انتصارًا يُمثّل انتصارًا اليوم، لأنّه فقَدَ جوهره اللبنانيّ، وتحوّل الحزب الذي ظنّناه وطنيًا إلى قوّة تخريبية تستهدف الدّاخل اللبناني، وهذا لا يعني أنّنا نقف مع الكيان، فهذا مستحيل، بل نحن نُشجّع المقاومة التي عهدناها في الثمانينات، بتعدّدها الطائفيّ وقلبها الوطنيّ الصافي، لا بمزاج طائفي وفارسيّ لا يُمكننا القبول به'.
في المقابل، يرى ناشط سياسيّ سابق في حديثٍ لموقع 'لبنان الكبير' أنّ طرابلس كانت سبّاقة دائمًا في الانتفاض للقضايا الاقتصادية، المعيشية، العسكرية والسياسية، فقد قدّمت شهداء للمحور حينما كانت قضيّته فلسطين، كما كانت الحاضنة الأولى للعروبة واللاجئين الفلسطينيين والجنوبيين ولكلّ الفارّين من الظلم'، موضحًا أنّ عاصمة الشمال استضافت لسنوات فعليات صمود وقوافل دعم لغزة، كما نظمت العديد من الأنشطة الفنّية والخطب السياسية والدينية نُصرة لفلسطين، لتكون بذلك في صلب المقاومة بكلّ مكوّناتها.
ويُتابع: 'يجب الإقرار علنًا بأنّ ممارسات الحزب طيلة الأعوام الماضية، في ظلّ ما تُعانيه المدينة من أزمات اقتصادية ناتجة عن سياسات هذا المحور الذي شوّه سُمعتها، لم تُغرقها في أزماتها المعيشية فحسب، بل دفعتها أيضًا إلى الانشغال بملف العفو العام وضرورة تحرير السجناء من قبضة المحكمة العسكرية التي يُسيطر عليها الحزب، إضافة إلى ما تُواجهه الطائفة السنّية اليوم من تهميش'.
وبعد الموقف الذي اتخذته طرابلس من الحزب، والذي يستند إلى تجارب واقعية، بات من المؤكّد أنّ المدينة لم تعد ترى ممثّلًا حقيقيًا للمقاومة. فالمتتبّع للأحداث يُدرك أنّ طرابلس ما زالت تُواكب تطوّرات الجنوب، خطوة بخطوة، كما حدث في العام 2000، لكنّها هذه المرّة لا تنتظر تحريرًا أو نصرًا من أحد، لأنّها لا تنظر إلى حزب الله، كقوّة تحرير، بل كأداة مارست دورًا سياسيًا في الدّاخل اللبناني لأهداف خارجية.
أمّا على الصعيد السياسيّ، وفي ظلّ الصراع الإقليمي والدّولي الراهن، تعيش قوى سياسية في طرابلس (لبنانية وحتّى فلسطينية) تجاذبًا بيْن مواقفها السابقة المؤيدّة للحزب والمقاومة، وبيْن التقلّبات التي تُفرضها المعطيات السياسية اليوم. فبعد أنْ كانت تلك القوى تستند بمواقفها إلى تحرير الـ 2000، ترى الأوساط السياسية الطرابلسيّة أنّها باتت اليوم تتماشى مع المزاج الشعبي العام، وتُواكب التوجّه اللبناني الساعي نحو المفاوضات التي يبذل فيها رئيسا الجمهورية والحكومة جهودًا حثيثة، والدليل على ذلك اختفاء أو تراجع حدّة الخطابات 'الرنّانة' أو الحماسية التي كانت تظهر سنويًا في مثل هذا الوقت. وبناء على ذلك، فإنّ هذا التحوّل الجذريّ في المواقف أو ما يُوصف بـ 'التكويعة' بات ينسحب حتّى على عيد المقاومة الذي لم يعد يُحتفى به كعيد، بل بات يُشار إليه كذكرى فقط بغياب أيّة مؤتمرات أو مسيرات تستحضر الماضي'.











































































