اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
10 أكياس دقيق فقدتها أم محمود النقيب بعدما أتلفتها مياه الأمطار والصرف الصحي.
مناوبات طوال الليل تناوبت خلالها أم محمود وبناتها وأبناؤها على إنقاذ الأمتعة من المياه.
ملابس وأغطية مبللة غسلتها أم أحمد من مياه الأمطار والصرف الصحي، دون أن تتمكن من تبديل ملابس أطفالها.
قنوات في الأرض حفرها ماهر الغرابلي وسكان المخيم لتصريف المياه بعيدًا عن الخيام.
أسلاك كهربائية استخدمها ماهر لخياطة الأجزاء الممزقة من خيمته.
سلسلة بشرية أقامها سمير الغرابلي وأولاده لنقل المياه وإبعادها عن الخيمة.
أكياس دقيق فارغة ملأها إبراهيم الكفارنة وعائلته بالرمال لإقامة حواجز تمنع تسرب المياه إلى الخيمة.
ترك المنخفض الجوي الذي تأثر به قطاع غزة مع ساعات مساء يوم الجمعة واستمرار هطول زخات غزيرة من الأمطار حتى ظهيرة أمس، مشهدًا ثقيلا من المأساة، وأضرارًا بالغة بخيام النازحين التي غرقت وتمزقت، لتزيد معاناة الأهالي الذين استقبلوا موسم الشتاء الرابع في خيام معظمها أصبحت مهترئة وممزقة، وشوارع تحولت إلى مستنقعات بفعل تدمير الاحتلال البنية التحتية، لتطفو الكارثة على السطح.
وتلقى جهاز الدفاع المدني 2166 نداء استغاثة منذ بدء تأثير المنخفض الجوي وغرق عشرات المخيمات ومراكز الإيواء، مطالبا بإدخال الخيام والشوادر والبيوت المتنقلة 'كرفانات'، في حين أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة تعرض 70 ألف خيمة للنازحين للغرق. وأدى المنخفض لتضرر نحو 350 ألف نازح، في حين تبلغ احتياجات القطاع وفق تقديرات الدفاع المدني نحو 300 ألف خيمة.
في مخيم أنس بن مالك الواقع في شارع اليرموك بمدينة غزة، كانت أم محمود النقيب تنظر بحسرة إلى 10 أكياس دقيق كانت تحتفظ بهم منذ أشهر لأوقات أزمات، تعرضت للتلف نتيجة اختلاطها بمياه الأمطار، وأمام خيمتها كان أولادها يزيلون أرضيات الخيام التالفة بعد حدوث جريان لمياه الأمطار مع الصرف الصحي أغرقت المخيم الواقع في أرض منخفضة عن الطريق، ما يجعل المياه تتجمع بسهولة داخل المخيم وتغرق الخيام.
وبعد انحسار موجة الأمطار ليوم السبت، كانت النقيب وأولادها يفرشون بعض الأغطية الشتوية محاولين تجفيفها، وتحكي لصحيفة 'فلسطين' بمرارة: 'منذ الليلة ونحن نعمل مناوبات بين بناتي وأشقائهم الذكور نحاول رفع الأمتعة التي تبللت بمياه الأمطار، ولم يبقَ طحين أو طعام كنت أخزنه للأزمات'، ضاربة كف يدها من القهر: 'كله تلف'.
خوف لم ينتهِ
وتتخوف النقيب كحال مئات آلاف النازحين في الخيام من موجات المنخفضات القادمة، وبقربها يظهر شوادر وبعض الأغطية التالفة، تقول إن العائلة قامت برميها نتيجة صعوبة إعادة استخدامها بعدما امتلأت بمياه الأمطار والصرف الصحي، وتردف بحسرة: 'نحن نعيش في مكان غير صالح للحياة، ولا يوجد أي مكان نذهب إليه، ولا نعرف ماذا سيحصل معنا خلال المنخفضات القادمة'.
أما جارتها وتُكنى 'أم أحمد' فكانت تفرد أغطية شتوية على إحدى الخيام بعدما قامت بغسلها جيدا لتنظيفها من الصرف الصحي ومياه الأمطار، في حين كانت تغسل في أوانٍ كبيرة أغطية أخرى وملابس وفراشًا، ترتجف السيدة التي لم تنم منذ ليلة أول من أمس مع بدء المنخفض الجوي، ولا يزال طفلها الذي يساعدها يرتدي ملابس مبللة، إذ تعرضت الخيمة للغرق وابتلت معه جميع الملابس والأغطية.
بعلامات تعب وإرهاق من العمل في غسل الملابس وعصرها جيدا لإزالة مياه الصرف الصحي، تقول أم أحمد لصحيفة 'فلسطين': 'تحولت الخيمة إلى بركة مياه، في البداية حاولت إبعاد المياه بمساعدة أولادي لكن الأمر بعد ذلك خرج عن السيطرة بعد حدوث سيل لكميات كبيرة من المياه القادمة من الشارع لكوننا نعيش في أرض منخفضة وكأنه فيضان'.
وبينما انتهت من عصر أحد الأغطية الشتوية ونشره على هيكل خيمة موجودة بالمكان، أضافت وأطراف يديها ترتجف من البرد: 'غسلت كل الملابس والأغطية، والآن لم أستبدل ملابس أولادي والأمر سيحتاج عدة أيام لتجف، إذا كان هذا حدث مع أول جولة للمطر فماذا سيحدث في المنخفضات القادمة؟'.
وعلى الرغم من أن خيمتها تبدو بحالة جيدة فإن قصفا إسرائيليا وقع قبل أسابيع في المكان أدى لتطاير الشظايا وتمزيق أجزاء من الخيمة وخيام أخرى في المخيم، ما أدى لتسرب المياه للداخل بالرغم من محاولة الأهالي وضع شوادر حماية من المطر، وتتابع: 'طوال الليل ونحن مستيقظون ونحاول إبعاد المياه وحتى الآن لم نجلس أو ننهِ العمل'.
في مخيم آخر يقع بالقرب من مفترق ضبيط، عاش ماهر الغرابلي ليلة صعبة، إذ لم تستطع خيمته المتهالكة والممزقة الصمود أمام موجة أمطار غزيرة، ولم يتوقف الأمر على دخول المياه من الجوانب الممزقة في خيمته، إذ تحول المخيم إلى مستنقع ملأته مياه الأمطار.
وعلى مدار ساعات من العمل المتواصل حفر الغرابلي وسكان المخيم قنوات في الأرض لتصريف المياه بعيدا عن المخيم، ويقول الغرابلي لصحيفة 'فلسطين' إنه ناشد الكثير من المؤسسات منذ عدة أشهر لاستبدال خيمته، لكن لم يُستجَب، وتحول الحصول على خيمة أمنية له ولأطفاله.
وبعدما انتهى من حفر القنوات وإبعاد المياه، كان يحاول حياكة الجوانب الممزقة في خيمته، بواسطة أسلاك كهربائية لمنع دخول الهواء البارد إلى أجساد أطفاله، ويحتل القهر ملامحه ونبرة صوته: 'وضعنا صعب، وحتى الخيمة أصبحت أمنية لنا'.
أما سمير الغرابلي المُكنى 'أبو سليمان' فأقام سلسلة بشرية هو وأولاده لتناقل المياه وسكبها بعيدا عن الخيمة التي غرقت بمياه الأمطار، ويستقبل بها الشتاء الرابع، إذ تظهر عليها بوضوح حالة الاهتراء. ويحكي لصحيفة 'فلسطين' حين كانت العائلة تعد طعام الغداء مع ساعات العصر وتجفف الملابس المبللة: 'لم ننم طوال الليل. عشنا لحظات صعبة وقاسية، وغرق المخيم، ولم تعد الخيام تستطيع مقاومة الأمطار'.
وفي مخيم السلام الواقع بجانب مبنى الإسعافات والطوارئ بمدينة غزة، غمرت مياه الأمطار ١٧ خيمة بالكامل، وأتلفت محتوياتها من فراش وطعام.
داخل الخيام ارتفع منسوب المياه بمقدار ٣٠ سم وبقيت المياه متجمعة عدة ساعات، في حين عمل النازحون على قشطها ونقلها للخارج.
وتقول مديرة المخيم عديلة فدعوس لصحيفة 'فلسطين': 'تعرض المخيم لكارثة حقيقية نتيجة غمره بمياه الصرف الصحي والمطر معا، إذ طفحت مياه صرف صحي من مناهل محاذية للمخيم، ما أدى لتلف معظم الطعام والملابس. خسر النازحون آخر ما تبقى لهم من ممتلكات بعد تدمير منازلهم'.
ولم يكشف المنخفض الجوي عن المأساة في الخيام فقط، بل تكشفت مأساة البنية التحتية التي دمرها الاحتلال ولا يزال يمنع إدخال خطوط ومواسير ومواد صيانة لإصلاحها، إذ تعرضت شوارع حيوية للغرق كما جرى في شوارع محيطة بجامع الكنز بحي الرمال، وشارع عمر المختار عند الجندي المجهول الذي ارتفعت فيه المياه لنحو نصف متر وبقيت تمنع الحركة مدة ساعتين، وفق إفادة الأهالي، إلى حين تمكن طواقم بلدية غزة من إزالة الأشياء العالقة داخل مناهل التصريف.
وعلى الرغم من أن الأمطار توقفت عن السقوط ظهر السبت، فإن إبراهيم الكفارنة الذي يسكن بمخيم إيواء 'الجندي المجهول' وأفراد عائلته كانوا يعملون الساعة الخامسة والنصف مساءً، في ملء أكياس دقيق فارغة برمال حصلوا عليها من إحدى المؤسسات.
وللتو استطاع الكفارنة استبدال ملابسه، ويروي لصحيفة 'فلسطين': المنخفض كان صعبا، فقد أغرقت مياه الأمطار المخيم والخيام، وحاصرتنا المياه في الشارع، ولم نستطع الخروج والدخول، ولا توجد لدينا إمكانيات لمواجهة كل ذلك. بقي الطريق مغلقا ومنسوب المياه ارتفع لنصف متر حتى تمكنت طواقم البلدية من إزالة الأوساخ العالقة في المناهل. والآن نحاول وضع أكياس رمل بمحيط الخيمة حتى نمنع دخول المياه من الأسفل والجوانب في المرات القادمة.

























































