اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٨ شباط ٢٠٢٦
ما إن يصدح الأذان، وتدوي طلقة المدفع، حتى تبدأ في كل بيت عربي «سيمفونية» من نوع خاص؛ هي سيمفونية الإفطار. تلك اللحظة التي يجتمع فيها الصائمون حول مائدة واحدة، ليست مجرد كسر للجوع والعطش، بل هي «طقس عبور» يومي يمزج بين الشكر والابتهاج والتواصل الإنساني. إن المائدة الرمضانية في الوجدان العربي هي «المرآة» التي تعكس كرم الأمة وتنوع ثقافاتها المطبخية، حيث تترتب الأطباق وفق «بروتوكول» عريق يحترم التدرج الصحي والذوق الرفيع، ويجعل من «لقمة الإفطار» وسيلة لتمتين الروابط الاجتماعية.
•«أدب المائدة» في التراث.. فلسفة التدرج والضيافة تؤكد المصادر التاريخية أن العرب منذ صدر الإسلام وضعوا «دستوراً» أخلاقياً وصحياً للإفطار. يذكر أبو حامد الغزالي في «إحياء علوم الدين» أن من آداب الصائم البدء بـ «الرطب أو التمر»، اتباعاً للسنة النبوية، وهو ما يصفه الأطباء اليوم بأنه الطريقة المثلى لتهيئة المعدة. ويشير المؤرخ المقريزي في «الخطط» إلى أن موائد الإفطار في العصور الذهبية كانت تسمى «الأسماط»، وكان يُشرف عليها «صاحب المائدة» الذي يتأكد من ترتيب الأطباق بحيث يبدأ الناس بالسوائل الدافئة (الشوربات) ثم المقبلات وصولاً إلى الطبق الرئيسي. وفي دمشق، يروي ابن كنان في «يوميات شامية» أن من مروءة أهل الشام ألا يبدأ رب البيت بالأكل حتى يتأكد أن «الجار» قد وصلت إليه حصته من «سكبة رمضان» (طبق الجيران)، وهو عرف تاريخي حول المائدة من شأن خاص إلى شأن اجتماعي عام.
•دول الخليج العربي.. «الفطور» وروح «الفريج» في دول الخليج (السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، البحرين، وعمان)، تتميز مائدة الإفطار بـ «الهيبة والوفرة» والحرص على الجمعات العائلية الكبرى. يبدأ الخليجيون إفطارهم بـ «التمر واللبن» أو الماء، وغالباً ما يكون ذلك في «المسجد» أو «المجلس» (الديوانية) قبل أداء صلاة المغرب. هذا «الإفطار التمهيدي» يهدف لتنشيط الجسم قبل الصلاة. لا تخلو مائدة خليجية من «الهريس» (قمح مهروس مع اللحم)، الذي يُعد الطبق التاريخي الأول. وفي السعودية، يبرز «الكبسة» و«الشوربة» الحجازية بالحب، بينما في الكويت والإمارات تزدان المائدة بـ «المكبوس» و«الثريد» (الخبز المشرب بالمرق واللحم). يحرص الخليجيون على أن يكون الإفطار «جماعياً»؛ حيث تُفرش السفرة في المجالس المفتوحة، ويُدعى عابر السبيل والمغترب لمشاركة أهل البيت طعامهم، في تجسيد لـ «خلق الإيثار» الذي جُبل عليه أهل الجزيرة.
•بلاد الشام ومصر.. «الشوربة» و«السكبة» وفن المقبلات في مصر تظل «الشوربة» و«الخشاف» (نقع التمور والفواكه المجففة) هما فاتحة الإفطار. وتشتهر المائدة المصرية بـ «الملوخية» و«المحاشي» التي تُعد «أيقونة» اليوم الأول. يذكر الجبرتي أن موائد الرحمن في شوارع القاهرة كانت تكسر الفوارق الطبقية، حيث يجلس «الباشا» بجانب «العامل» على سفرة واحدة، وهو ما يظل قائماً حتى اليوم. في لبنان وسوريا وفلسطين: تبرز «الشوربة» (خاصة شوربة العدس) كعنصر إلزامي. وتتميز المائدة بـ «الفتوش» أو «التبولة» كأطباق خضراء أساسية. أما «السكبة»، فهي عادة بيروتية وشامية أصيلة؛ حيث لا تكتمل المائدة إلا بتبادل الأطباق بين الجيران قبل الأذان بدقائق، مما يجعل كل مائدة تضم عينات من «طبيخ» الحي بأكمله، وهو ما يوثقه أرشيف التراث الشعبي كأحد أقوى أدوات التماسك الاجتماعي.
•المغرب العربي.. «الحريرة» و«البوراك» وأناقة المائدة في دول المغرب العربي (تونس، المغرب، الجزائر)، مائدة الإفطار هي لوحة فنية أندلسية. الحريرة والشوربة فريك: في المغرب، «الحريرة» هي سيدة الموقف، وهي شوربة غنية بالبقوليات والأعشاب تُقدم في أوانٍ خزفية تقليدية. وفي الجزائر، تبرز «الشوربة فريك» و»البوراك» (عجينة محشوة)، بينما في تونس يُعد «الكسكسي» و»الطاجين» من الأطباق الرئيسية التي تُزين السهرة الرمضانية. يحرص المغاربة على تقديم الإفطار في «الظرف» (آنية نحاسية أو فخارية)، ويُشرب الشاي بالنعناع عقب الإفطار مباشرة في طقس احتفالي يسمى «جلسة الشاي»، حيث تُناقش شؤون العائلة في أجواء من الود.
•العراق واليمن والسودان.. «التشريب» و«الشفوت» والجود الجماعي في العراق يبرز «التشريب» (الثريد) كطبق رئيسي، ويحرص العراقيون على «شوربة العدس» و«كبة الحلب». يذكر الباحثون في التراث العراقي أن العائلات البغدادية تتنافس في صنع «الفسنجون» أو «الدولمة» في العزائم الرمضانية التي تجمع العشيرة. في اليمن لا تبدأ المائدة دون «الشفوت» (خبز اللحوح مع اللبن والأعشاب) و«الشوربة» اليمنية. المائدة في اليمن تتسم بالبساطة والبركة، حيث يُفضل اليمنيون الأكل من «صحن واحد» كبير لتعزيز المحبة والبركة (الشركة في الطعام). في السودان الإفطار هو «عملية خروج». لا يفطر السودانيون داخل بيوتهم؛ بل تُفرش «البروش» في الشوارع، ويحمل كل رجل «صينيته» (صينية الطعام) إلى الخارج ليشاركها مع الجيران والمارة. «عصيدة اللقمة» بـ «النعيمية» هي الوجبة الأساسية، ومشروب «الحلو مر» هو ملك السفرة الذي لا يُنافس.
•«اللقمة الأولى» ودعاء الإفطار لحظة الإفطار هي لحظة «المساواة الكبرى». في تلك اللحظة، يشعر الغني بجوع الفقير، ويشعر الفقير بعزة الكرامة حين يجد الموائد ممدودة له. «دعاء الإفطار» (ذهب الظمأ وابتلت العروق..) هو «الخاتمة الروحية» لنهار من الصبر، وهو ما يمنح الطعام طعماً لا يدركه غير الصائمين. إن التزام الصمت في الثواني الأخيرة قبل الأذان، ثم الانطلاق في الأكل بذكر الله، يربي في الإنسان العربي «الانضباط الذاتي» وتقدير النعمة.
•أدبيات الضيافة الرمضانية.. «لا يُرد سائل» من شيم العرب في رمضان أن «المائدة للجميع». يذكر المؤرخون أن بيوت الوجهاء في دمشق وحلب والقاهرة والرياض كانت تترك أبوابها «مفتوحة» وقت الإفطار. أي عابر سبيل يمكنه الدخول والجلوس والأكل دون سؤال. هذا الكرم الفطري هو الذي جعل المستشرقين ينبهرون بالروح العربية في رمضان، حيث وصفت الرحالة «ليدي آن بلنت» كيف كان البدوي يتقاسم آخر حبة تمر لديه مع ضيفه في رمضان، معتبراً ذلك «واجب الوفاء» للشهر.
الإفطار في الوجدان العربي هو أكثر من مجرد إطعام؛ إنه رسالة محبة نرسلها لأنفسنا وللآخرين في كل غروب. هي اللحظة التي تتجلى فيها وحدة الأمة في «طبق واحد» وتوقيت واحد وقبلة واحدة. من «هريس» الخليج إلى «حريرة» المغرب، ومن «فول» مصر إلى «فتوش» الشام، تظل المائدة العربية هي «واحة الأمان» التي تلم شتاتنا، وتذكرنا بأن الخير فينا وفي أمتنا باقٍ إلى يوم الدين.











































































