اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٨ شباط ٢٠٢٦
إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن في حزيران الماضي أن الضربات الجوّية دمّرت بالكامل المنشآت النووية الإيرانية، وإذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تباهى بعد شهرين أن تل أبيب تخلّصت من تهديد وجودي عقب قصف مواقع التخصيب، فعلى ماذا يتفاوض الطرفان أي الأميركي والإيراني اليوم في جنيف؟
هذه عيّنة من تحليلات محور الممانعة التي تطرح أسئلة تبدو للوهلة الأولى منطقية. فأصحاب هذه المقاربة يبنون استنتاجهم على فرضية أن العودة إلى التفاوض تعني حكمًا أن البرنامج النووي الإيراني لم يُدمَّر، وأن التصريحات السابقة كانت مبالغًا فيها أو غير دقيقة. اللافت أن هذا النوع من التشكيك لم يقتصر على أعداء أميركا في محور الممانعة، بل وصل صداه إلى بعض الديمقراطيين الذين تساءلوا بدورهم عن حقيقة ما تحقق ميدانيًا بهدف النيل من صدقية ترامب ليس أكثر.
غير أن هذه القراءة غير واقعية لأنها تتعامل مع الخطاب السياسي وكأنه تقرير تقني نهائي. فالضربات العسكرية التي عرفت بعملية مطرقة منتصف الليل دمّرت فعلًا المنشآت النووية الإيرانية الأساسية. وقدرة الوصول إلى هذه المنشآت وتخطي الدفاعات الجوّية وضربها، يعني حكمًا سقوط حرمة ومناعة البرنامج النووي، وبالتالي سقوطه كاملًا. ومن يعلم ويتابع، يذكر - لأننا لم ننسَ بعد - كيف أن إيران سارعت عبر تركيا وأكثر من دولة عربية إلى مناشدة إدارة ترامب في حزيران الماضي لوقف الضربات، مبدية استعدادها للعودة إلى طاولة المفاوضات وختم هذا الملف مع أميركا. وهكذا كان. لكن بدل الاعتراف بنتائج الضربة العسكرية والبحث في كيفية إخراج إيران واقتصادها وناسها من قعر الهوة، كما يحدث عادة بعد كل معركة عسكرية، خرجت طهران من الحرب لتعلن النصر وتشرح كيف أنها هزمت أميركا وإسرائيل، وتعاود المراوغة في ملف التفاوض من جديد، وكأن شيئًا لم يكن.
فعلًا دمّر ترامب برنامج إيران النووي، لكن ما بات معلومًا أن هنالك نحو 440 كلغ من اليورانيوم المخصّب بنسبة تصل إلى 60 في المئة، مجهولة المصير، وقد أعلنت أميركا ومن بعدها إسرائيل وكذلك إيران، أن اليورانيوم مدفون تحت الأرض. وبالتالي، ما يهم أميركا من التفاوض هو الوصول إلى اليورانيوم وإخراجه من إيران، وكل ما عدا ذلك هو صف كلام و رغي دبلوماسي.
بيد أن الأهم هو تأكيد أميركا أن المفاوضات الحالية لا تقتصر على نسبة تخصيب أو عدد أجهزة طرد مركزي، بل تسعى واشنطن إلى تصحيح سلوك النظام الإيراني، وليس فقط ضبط نشاطه النووي، وصولًا إلى ملف الصواريخ الباليستية، الذي تعتبره أميركا تهديدًا مباشرًا لحلفائها في المنطقة، وقد يتحوّل تهديدًا لها أيضًا، وفق ترامب.
كذلك، لا تخفي الإدارة الأميركية أن هدفها يتجاوز إضعاف النفوذ الإيراني الإقليمي إلى تقليصه جذريًا. فالأذرع التي بنتها طهران في عدد من بلدان المنطقة قد هزمت ويجب تثبيت هذا الواقع وتفكيكها، لا الاكتفاء باحتوائها. من هنا، يصبح التفاوض على طاولة جنيف تفاوضًا على مجمل الدور الإيراني في المنطقة، لا على منشآت مدمّرة فحسب.
بذلك، فإن السؤال المطروح في بعض التحليلات يفترض تناقضًا غير قائم. تبقى الحقيقة أن واشنطن تستخدم مزيجًا من الضغوط والقوة والدبلوماسية لإعادة ضبط المنطقة وتصحيح مسارها. فإما تغيير السلوك وإمّا سلوك مسار التغيير... بالقوة العسكرية، أم بالقوة الشعبية، أو ربّما كليهما.











































































