اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦
كتب صلاح سلام في اللواء
تجاوز خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة العرض التقليدي لتوجهات السياسة الخارجية الأميركية، وحاول تقديم نظرته الشخصية لموقع ودور الولايات المتحدة في النظام الدولي، عبر مزيج من لغة القوة والتهديد، والدعوة في الوقت نفسه إلى التسويات الدبلوماسية. وهذه الازدواجية ليست من أبرز عناصر الخطاب التي أثارت الجدل، وفتحت الباب أمام قراءات متباينة لطبيعة المرحلة المقبلة في العالم وحسب، بل هي في صلب الخطاب السياسي اليومي للحاكم في البيت الأبيض.
في الملف الإيراني أولاً، قدّم ترامب أكثر مظاهر التناقض وضوحاً. فقد دافع عن القرار الأميركي بالدخول في مواجهة عسكرية مع إيران، ملوّحاً بإمكان «إبادة» إيران في حال عدم التوصل إلى اتفاق، لكنه عاد ليؤكد في الوقت نفسه أن التسوية باتت قريبة، وأن طهران ترغب في التفاوض. وبين التهديد بالتصعيد، والإشارة إلى قرب الحل، ظهر أن القوة العسكرية بالنسبة إلى ترامب ليست بديلاً عن الدبلوماسية، بل مجرد أداة للضغط عليها!
وفي الحرب الروسية ــ الأوكرانية، برز تناقض آخر بين لغة الحسم ووعود التسوية. أكد ترامب أن واشنطن تعمل مع موسكو وكييف لإنهاء الحرب سريعاً، من دون أن يقدم مساراً تفصيلياً لتحقيق ذلك. ويعكس هذا الموقف تمسكاً بالدور الأميركي كوسيط، مع الإبقاء على خطاب أكثر تشدداً تجاه روسيا، وهو ما يختلف عن بعض مواقفه السابقة خلال ولايته الحالية.
أما الأمم المتحدة نفسها، فقد احتلت موقعاً ملتبساً في خطابه. فقد انتقد المنظمة بشدة، واعتبر أن البيروقراطية والتدخلات الدولية تعيق فاعليتها، لكنه بموازاة هذا الانتقاد المتكرِّر من الإدارة الاميركية الحالية، تحدث ترامب عن ضرورة إصلاحها، وخفض كلفتها، وتعزيز قدرتها على العمل. وهنا تبدو المفارقة بين رفض المؤسسة بصيغتها الحالية، والرغبة في إعادة توظيفها وفق تصور أميركي أكثر انسجاماً مع توجهات السياسة الخارجية للولايات المتحدة الاميركية .
كذلك امتد الخطاب إلى الذكاء الاصطناعي، حيث اختار ترامب التركيز على التفوق التكنولوجي الأميركي، رافضاً التحذيرات المتعلقة بمخاطره، مفضلاً استخدام تعبير «الذكاء الفائق»، ومتجاهلا التقدم المتسارع الذي تحرزه الدول الآسيوية، وفي مقدمتها الصين في إستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتي أصبحت المنافس الأول لأميركا، بعدما تجاوزت الدول الأوروبية بأشواط.
في المحصلة، تكمن أهمية خطاب ترامب في أنه يعكس سياسة خارجية تقوم على الجمع بين الضغط والصفقة، والتهديد والتفاوض، والابتعاد عن المؤسسات الدولية، وفي طليعتها منظمة الأمم المتحدة، والسعي في الوقت نفسه إلى إعادة تشكيلها!
ولذلك فإن الجدل الذي أثاره لا يرتبط فقط بحدة عباراته، بل بالسؤال الأوسع حول ما إذا كانت هذه التناقضات تمثل ارتجالاً في الخطاب، أم ملامح مقصودة لعقيدة أميركية جديدة، تجعل القوة وسيلة دائمة لإعادة فتح أبواب التفاوض، وليست اداة حسم لإخضاع الخصم.











































































