اخبار سوريا
موقع كل يوم -سناك سوري
نشر بتاريخ: ١٩ كانون الثاني ٢٠٢٦
يبدو السوريون -أو على الأقل ما يظهر منهم- حالياً أنهم في اتجاه معاكس؛ طرفان مختلفان على طاولة الوطن لا يتحدثان ليسمعا بعضهما البعض، بل للرد على بعضهم وتسجيل نقاط ونقاط مضادة في الموضوع وخارجه.
شكّل إسقاط النظام لحظة تحولٍ تاريخية في مسار سوريا، تحوّلت البلاد في المرحلة الأولى إلى ساحة حوار مفتوحة، بالساحات، والشوارع، وعلى السوشيل ميديا، وبدأ سوريون على اختلافاتهم يُقدمون آراءهم وأفكارهم حول شكل الدولة وهويتها وحاضرها ومستقبلها، ويمكن القول أنها كانت مرحلة يرتفع فيها مستوى الاستماع وينخفض فيها مستوى المواجهة والصراع.
مضت البلاد في مسارها الطبيعي الذي يُشكل مخاضَ ولادة المرحلة الانتقالية ما بعد 'الأسد'، وجاء مؤتمر النصر الذي أعلنت فصائل 'ردع العدوان، والجيش الوطني' فيه أنها السلطة الانتقالية واختارت رئيس المرحلة. وغاب عن المؤتمر فصائل من الجنوب وقوات سوريا الديمقراطية.
في هذه اللحظة تبلور شكل سُلطةٍ في البلاد، وبَدا غياب بعض القوى الأساسية والتنوع عن هذا المؤتمر نذيراً بأزمة تواصل في البلاد لا بدّ من تلافيها بمؤتمر حوار وطني جامع.
جاء مؤتمر الحوار في شباط 2025 والذي كان من المنتظر منه ترميم أزمة التواصل على مستوى القوى السياسية والعسكرية والمجتمع السوري والأفرقاء، عبر مسار حواري طويل يُفضي إلى خارطة طريق مُلزِمة تدار بموجبها البلاد لمرحلة انتقالية ويشارك الجميع في وضعها.
أزمة التمثيل السياسي في سوريا خلال المرحلة الانتقالية 'الفجوة التمثيلية للنساء والشباب'
إلا أن المؤتمر بُني على عجلٍ وبدل أن يكون حواراً بين قوى سياسية وقوى مجتمعية حول قضايا ساخنة وصاخبة، انطلق بين أفراد وانتهى بينهم بهدوء دون أن يعلو صوت المتحاورين، وفي يوم واحد صدر عنه جملة توصيات غير مُلزمةٍ للحكومة. في حين كانت البلاد بحاجة لحوار حقيقي عميق من القاعدة للقمة لا تغيب عنه القوى السياسية ولا المعايير التمثيلية ولا النقاش العميق للمواضيع الجوهرية.
بدا الحوار الوطني لحظة مفصلية انقسم السوريون حولها إلى 3 تيارات رئيسية: مَن رأى أن السلطة قامت بما عليها وهذا هو الحوار الوطني، وبين مَن رأى أن تنظيم الحوار يعكس غياب خبرة السلطة، ومَن رأى أن هذا الحوار مؤشر إلى رغبة السلطة بالتفرُّد بالقرار.
لكن غياب مشهد الحوار بعمقه وعدم إظهار قدرة المتحاورين على الاختلاف السياسي والمواضيعي وفي نفس الوقت قدرتهم على قبول بعضهم وإيجاد صيغِ للتفاهم، ساهم بشكل أو بآخر في تهميش حالة الحوار من المشهد العام الذي بدأ يتحول تدريجياً إلى انقسام عميق إما معنا أو ضدنا!. انقسام يشبه كثيراً ما كانت البلاد عليه قبل 8 ديسمبر 2024 وغير مرحب فيه بالآراء الوسطية أو الحيادية.
حالة الانقسام قامت بتقديري عى عاملين رئيسيين جوهريين هما: غياب الحوار الوطني في لحظة مفصلية وجوهرية، وانعدام الحياة السياسية وبالتالي عدم إظهار الاختلاف المشاريعي في البلاد ووضع هذا الاختلاف في حقل السياسة والعمل السياسي.
في نهاية المطاف وصلنا إلى مرحلة 'التعاكس السوري' وأصبحت ثقافة برنامج الاتجاه المعاكس هي الثقافة الظاهرة أو الأعلى صوتاً في الحالة السورية الراهنة.
كما تحولت قصص المجتمعات الإنسانية إلى حالات انقسامية تقسيمية، أنت تقول وجعك وهو لا يسمع وجعك بل يتجهر للرد عليك وتسجيل النقاط ضدك. وكذلك الأمر،فهو لا يقرأ أو يسمع فكرتك بل يصنفها مواليةً لموقفه أو معارضةً له، حتى ولو كانت انتقاداً لدولاب سيارة سيادته. وبدل الرد عليك بالأفكار المختلفة وبرأيه هو يرد على شخصك، ويشتمك، يتهمك، ويخونك، ويصنفك حسب التنصيف المناسب لهويتك وليس المتناسب مع مواقفك.
و|إذا رصدنا مفردات الحوار الأكثر تداولاً عبر منصات التواصل المتاحة سنجد أنها 'سد تمك، خراس، دعسنا على راسك، عليك وعلى معلمك، فلان عمك وعم الجميع، ابكي بترتاج، عوي، انفصالي، إرهابي، بويجي، خنازير، كافر، ج نكاح، طبعاً وأمك، وأختك، وعرضك وشرفك' ومفردات أخرى نخجل من ذكرها لكنها تظهر لنا أن النقاشات لا تدور حول المواضيع وإنما هي شتائم حسب الموقف والاصطفاف بالانقسام لدرجة يوصف فيه المعتدلون إلى حد ما بـ 'الكيوت' كشتيمة من شتائم الوضع الراهن.
الأمر ينسحب إلى الشاشات ووسائل الإعلام، ضيوف غالباً مستفزون تجاه بعضهم البعض، يبحثون عن تسجيل النقاط، وإحراج بعضهم ووضعهم في الزاوية، فترى جمهور هذا الطرف يشارك لك فيديو ويقول لك انظر كيف مسح الأرض به وليس كيف واجه فكرته، وبالطرف الآخر نفس الشيء وصولاً لتحول البرامج الحوارية إلى حلبات مصارعة غير حوارية لا تفضي بالمحصلة إلى أي فكرة يمكنك أن تستفيد منها سوى أنك تزداد كرهاً للآخر أو تخندقاً في موقفك. بينما أزماتك تتصاعد وظروفك تتعقد ووضعك بلادك يتدهور.
وبالتالي لا يصبح الإقناع هدفاً، ولا التوصل إلى توافقات ما رغبة لأي نقاش أو تعليق، وإنما الهدف هو من سينتصر!. وهذه ليست حوارات أو نقاشات، بل هي معارك 'الاتجاه المعاكس' وثقافته التي لا تقوم على الرأي والرأي الآخر، وإنما على كيف أمسح الأرض بصاحب الرأي الآخر وليس برأيه.
بالمحصلة تحول التداول بالشأن العام إلى تداول يغلب عليه الانقسام لا الاختلاف، وغاب النقاش عن الحوكمة والحكم والقرارات والواقع الخدمي والاجتماعي والاقتصادي والمعيشي. وتحول النقاش في هذه القضايا إلى انفصال عن الواقع الذي يقوم على الانقسام والكراهية ويمنع فيه تداول أي ما من شأنه المساهمة في التطوير أو الانتقاد لأي كان 'فالنقد مؤجل' لأننا نبني مشاريعنا وهذه المشاريع ضعيفة لدرجة أن أي نقد لها يهدمها.
من المؤكد أن جزءاً من المواقف ناجم عن تراكم الكراهية خلال سنوات الحرب، وعن الخوف من تتبع تاريخهم، وبالتالي المبالغة بالتشبيح الجديد لتغطية التشبيح القديم، ولكن بالتأكيد الأسباب الأشد عمقاً هي الخوف من ضياع التضحيات، والخوف من عودة الاستبداد، والخوف من الآخر، وغيرها من قضايا جوهرية كان الحوار الوطني مفتاح حلها أو تضخيمها وسيبقى علاجها مهما طال الزمن.
في الختام ربما أفضل حوار رأيته في عام 2025 كان بين شابين أحدهم معارض للسلطة والآخر موالي لها، كتب أحدهما منشوراً على مواقع التواصل الاجتماعي يعبر فيه عن موقف من قضية عامة، رد عليه الآخر 'أنا ما متفق معك وبتعرف رأيي، بس المهم عندي أي ساعة بدنا نروح نلعب طابة لحتى امرق آخدك معي عالموتور'، هذا الحوار السريع بين رأييَن مختلفين هو أبرز ما تفتقده البلاد: أن لا أتفق معك وفي الوقت ذاته تبقى صديقي وشريكي ولاعب الكرة معي حتى ولو كنا بالمحصلة انا وأنت مجرد كرة في ملعب الصراع.
بين الشكوك والتطلعات.. مؤتمر الحوار الوطني تحت المجهر




































































