اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٥ أذار ٢٠٢٦
تقرير - شهاب
في الوقت الذي اختصرت فيه التكنولوجيا الحديثة عناء التدبير المنزلي بضغطة زر، عادت المرأة الفلسطينية في قطاع غزة عقوداً إلى الوراء، لتجد نفسها أمام معركة يومية مع جبال من الملابس المتسخة، تخوضها بأيدٍ متعبة وصدورٍ مثقلة بالتعب، وسط واقعٍ دمّره الاحتلال وحوّله إلى كومة من الركام والبدائية.
لم يعد يوم الغسيل جانبًا بسيطًا في الحياة اليومية، بل تحوّل إلى رحلة شاقة تبدأ من البحث عن قطرة ماء، وتنتهي عند جروح وتشققات تملأ أصابع الأمهات اللواتي يصارعن قسوة الظروف وبرودة المياه، في مشهد يختزل حرب الإبادة التي طالت أدق تفاصيل الحياة.
ومع استمرار انقطاع التيار الكهربائي وتدمير البنى التحتية والمنازل، تحوّلت الغسالة إلى قطعة من الماضي أو خردة مهجورة تحت الأنقاض. واضطرت النساء إلى اللجوء للغسيل اليدوي في أوعية بلاستيكية صغيرة داخل خيام النزوح أو بين جدران المنازل المدمرة، ما جعل هذه المهمة استنزافًا جسديًا ونفسيًا لا يتوقف.
قطعة من العذاب
أم يوسف صقر، النازحة من شمال غزة والمقيمة حاليًا في خيمة بمدينة غزة، تقول إن الغسيل على اليدين أصبح قطعة من العذاب تُضاف إلى سجل معاناتها اليومية منذ بداية الحرب.
وتضيف في حديثها لوكالة شهاب، 'كنا بالدار بكبسة زر نخلص كل غسيل العيلة، اليوم بقضي يومي كله وأنا بفرك بالملابس، المي قليلة والصابون نوعيته سيئة وبيحرق الإيدين، وظهري ما عاد يتحمل الوقفة والانحناء لساعات'.
وتشير إلى خيار الغسيل التجاري الذي ظهر كبديل مرير، قائلة: 'حاولت أبعت الغسيل عند ناس عندهم طاقة شمسية أو كهربا، بس السعر مكلف جدًا، الطلب الواحد بده ميزانية، وإحنا يا دوب نوفر لقمة الأكل للأولاد، فبضطر أغسل على إيدي رغم صعوبة الأمر'.
أصابع متشققة
أما الشابة هدى برهوم، فتروي لشهاب كيف أثرت هذه المعاناة على صحتها، 'إيديّ تشققت من كتر الغسيل ودعك الملابس، الملابس مليانة غبار ورمل لأنه إحنا بخيام وكل حياتنا على الرمل، وتنظيفها بالإيد بده مجهود كبير'.
وتضيف، 'حتى لو لقينا حدا بيغسل بمصاري، السعر غالي كتير وما بنقدر عليه بشكل دائم، الاحتلال مش بس دمر بيوتنا، هو دمر راحتنا وبده يرجعنا لعصر قبل التطور واختراع الغسالات، وبده يخلينا نعاني بكل شيء'.
وتواجه ختام ضهير معاناة كبيرة في إنجاز الغسيل اليومي، حيث تصفه بأنه مُرهق جدًا ويحتاج إلى جهد ووقت طويل، خاصة مع وجود أطفال يجعلها مضطرة للغسيل بشكل يومي.
وتؤكد، في حديثها لشهاب، أن المشكلة تتفاقم بسبب عدم توفر المياه دائمًا، ما يزيد من صعوبة المهمة ويستنزف طاقتها، حتى إن يديها أصبحتا متعبتين من الغسيل.
وتقول، 'خصوصًا في الشتاء، الأواعي أغلبها تقيلة وغسيلها متعب وبكسر الظهر، وإيديا صاروا يتجرحوا منه، مع إنه المفروض إحنا كنساء نعيش حياة مريحة بصفتنا نساء، لكن الحرب خلتنا نشيل حمل أكبر من طاقتنا'.
وتضيف، 'الحياة قبل الحرب كانت مريحة، وكل شيء كان متوفر، وما كان في هم للغسيل، كنا نحط الغسيل بالغسالة ونطلعه للنشر بس، يعني لا أفرك الأواعي ولا أنقل ولا أحمل هم تعب'.
ولا يقتصر الأمر على التعب الجسدي، بل يمتد ليشمل أزمة المياه التي يمنع الاحتلال وصولها، حيث تضطر النساء لانتظار سيارات المياه لساعات، أو استخدام مياه البحر المالحة، لبدء ماراثون الغسيل الذي ينتهي غالبًا بآلام مزمنة في المفاصل والظهر.
وعلى مدار عامَي الحرب، وجدت المرأة الغزية نفسها في مواجهة مباشرة مع انعدام مقومات الحياة، حيث تحوّل الغسيل إلى جبل من الهموم يختبر قدرتها على التحمل.
ورغم الآلام التي تخرج من الأصابع المتشققة، والوهن الذي ينهش الأجساد المنهكة، تواصل نساء غزة غسل غبار الحرب عن ملابس أطفالهن، في إصرار صامت على البقاء، ونظافةٍ تُنتزع من قلب الركام والدمار.

























































