اخبار لبنان
موقع كل يوم -نافذة العرب
نشر بتاريخ: ١٠ أيلول ٢٠٢٦
أكّد تقرير حديث لشركة «ديلويت» أن السعودية تمتلك فرصة نادرة لبناء مؤسسات مصممة من الأساس للعمل بالذكاء الاصطناعي، مستفيدةً من وجود مشروعات جديدة يمكن تطوير هياكلها التشغيلية والرقابية بما يتوافق مع متطلبات هذه التقنية الحديثة.
وأظهرت بيانات «ديلويت» فجوة كبيرة بين انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحقيق المؤسسات لمردودات جوهرية من إعادة تصميم نماذج أعمالها. ففي الشرق الأوسط، أعلن 66% من المؤسسات أنها حققت مكاسب في الكفاءة من خلال الذكاء الاصطناعي، بينما لم تتجاوز نسبة المؤسسات التي أعادت تصميم منتجاتها أو عملياتها بشكل جوهري 34%، مع تأكيد 84% منها أنها لم تُعدّل الوظائف ومسارات العمل بناءً على هذه التقنيات.
يوسف برقاوي، شريك وقائد منصة «نمو الذكاء الاصطناعي» وعضو مجلس الإدارة في «ديلويت الشرق الأوسط»، أكد خلال مؤتمر «ليب 2026» أن المرحلة القادمة في رحلة الذكاء الاصطناعي بالمملكة يتمحور حول كيفية إعادة تصميم نموذج التشغيل، وبناء مؤسسات «مولودة للذكاء الاصطناعي» منذ بداياتها، مع التوسع في استخدام التقنية مع الحفاظ على السيادة والثقة.
ويرى برقاوي أن تحقيق مكاسب الإنتاجية عبر أتمتة المهام يشكل الخطوة الأولى الأسهل، بينما القيمة الأكبر تكمن في إعادة التفكير الكامل في كيفية تقديم الخدمات وإيجاد القيمة، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي الوكلي (Generative AI) الذي قادر على التخطيط والتنسيق وتنفيذ مهام تمتد عبر وظائف متعددة داخل المؤسسة. ويشرح برقاوي مثالاً لوكيل ذكاء اصطناعي يتفاعل مع طلب العميل بفعالية من خلال جمع البيانات من أنظمة مختلفة، وتنسيق الخطوات، وتنفيذ العمليات إلا عند الحاجة لتدخل بشري، ما يتطلب إعادة تصميم مسارات العمل وصلاحيات اتخاذ القرار.
ويبرز الاختلاف السعودي، وفق برقاوي، في قدرة المؤسسات الجديدة على البدء من الصفر، بحيث تُصمم من اللحظة الأولى لتكون جاهزة لعصر الذكاء الاصطناعي، مع دمج بنية البيانات والحوكمة والأمن السيبراني ونموذج التشغيل بصورة متكاملة، بدلاً من إضافة هذه التقنيات لاحقاً على أنظمة قائمة. ويشير إلى أن هذه المقاربة تدعم قدرة المؤسسة على التكيف والتوسع مع تطور التقنيات، ويشمل ذلك قطاعات متعددة تتقاطع، مثل سلاسل التوريد الذكية والبنى التحتية التنبؤية والمستشفيات التي تعتمد تنسيق الرعاية الاستباقي والخدمات الحكومية الذكية.
على صعيد آخر، توسع «ديلويت» مفهوم السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد محصوراً بموقع تخزين البيانات فقط، بل يشمل السيطرة على الاستراتيجية والبنية التحتية والحوكمة والنماذج والقدرات الحيوية. ويوضح برقاوي أن السعودية تجمع بين تعزيز البنى التحتية المحلية وتطوير المواهب والقدرات السيادية، إلى جانب الشراكات مع شركات التكنولوجيا العالمية، مع مراعاة تعقيدات الأنظمة المستقلة وشبه المستقلة التي تتفاعل مباشرة مع المعدات والبنية التحتية المادية.
وفيما يتعلق بالأمن السيبراني، حذر مايكل مسعد، شريك التقنيات السيبرانية الناشئة في «ديلويت الشرق الأوسط»، من الخلط بين متطلبات السيادة ومتطلبات المرونة التشغيلية الفعلية. وأكد على أهمية وجود نسخة احتياطية داخل المملكة، مع ضرورة التخطيط المسبق لتحديد البيانات والعمليات التي يجب الاحتفاظ بها محلياً، وما يمكن نقله مؤقتاً ضمن ضوابط واضحة، بالتعاون بين الفرق القانونية والتنظيمية والتقنية، خصوصاً في المشاريع التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي والتقنيات التشغيلية والروبوتات.
وأشار مسعد إلى أن بعض عناصر الحماية، مثل ضوابط الهوية القوية، والفصل بين تقنية المعلومات والتقنيات التشغيلية، وتأمين وصول الأطراف الخارجية، والرؤية الشاملة للأصول، وبيئات الاستعادة المحمية، يصبح من الصعب أو المكلف إضافتها بعد التشغيل، ويتوجب تضمينها منذ البداية في التصميم. كما شدد على ضرورة وجود نقاط موافقة بشرية وآليات إيقاف طارئة داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتكاملة، لاسيما أن التقنية المرتبطة بالأنظمة التشغيلية المتقدمة تزيد من حساسية الحوادث الأمنية، حيث يمكن أن تتحول الخروقات الرقمية إلى أضرار تشغيلية أو تهديدات للسلامة.
وأفاد مسعد بأن أكبر مناطق التعرض تكمن في تكامل أنظمة تقنية المعلومات مع التقنيات التشغيلية، والوصول البعيد للموردين، وأنظمة التحكم المتصلة، وطبقات الهوية المشتركة. ومع تطور تقنيات المراقبة الآلية والاستعادة الذاتية، لم يرَ مسعد مناسبة في منح البنية التحتية الحيوية استقلالية كاملة، مؤكداً أن القرارات الحرجة المرتبطة بالسلامة والجمهور يجب أن تبقى تحت إشراف بشري.
ويجمع مسعد بين مسارين مرتبطين: التوسع في الذكاء الاصطناعي، والمرونة التقنية والأمن السيبراني، مشيراً إلى أهمية إدماج بنية التحكم والاستعادة والمساءلة ضمن نموذج التشغيل، وضرورة اعتماد مؤشرات متعددة لقياس المرونة تشمل استمرارية الخدمات الحيوية ونجاح استعادة العمليات وسرعة الاكتشاف والتعافي وسلامة النسخ الاحتياطية.
تأتي هذه الرؤية لتؤكد أن التحدي المقبل للمؤسسات السعودية ليس مجرد نشر أدوات الذكاء الاصطناعي، بل إعادة تصميم المؤسسات من أساسها، من نماذج العمل واتخاذ القرار إلى ممارسات السيادة والأمن والقدرة على التعافي، في ظل تزايد دور الأنظمة الوكيلة والأنظمة المادية في العمليات اليومية











































































