اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦
يفتح الإنفاق على أسطول المركبات الحكومية في الضفة الغربية ملفًا واسعًا حول إدارة المال العام، بعدما كشفت دراسة حديثة لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني «ماس» والمعهد الفلسطيني للمالية العامة والضرائب أن الحكومة الفلسطينية تنفق في المتوسط نحو 83.3 مليون شيكل سنويًا على وقود وصيانة المركبات المدنية والعسكرية، خلال الفترة بين عامي 2014 و2025، في وقت بلغ فيه عدد المركبات الحكومية 6088 مركبة حتى تشرين الأول/أكتوبر 2025. وأكدت الدراسة أن الرقابة المجزأة وغياب أنظمة الإدارة المركزية وضعف آليات ضبط التكاليف تمثل مشكلات أساسية في إدارة هذا الملف.
كلفة الوقود والصيانة
وبحسب دراسة «ماس»، تستحوذ المركبات العسكرية والأمنية ومركبات الدفاع المدني على 75.46% من إجمالي الأسطول الحكومي، فيما تمثل المركبات المدنية 24.54%، وبلغت كلفة الوقود والصيانة للمركبات العسكرية والأمنية والدفاع المدني نحو 62.7 مليون شيكل سنويًا، مقابل نحو 20.5 مليون شيكل للمركبات المدنية. وأوضحت الدراسة أن هذه الأرقام لا تشمل شراء المركبات أو التأمين أو الاستئجار، وإنما تقتصر على الوقود والصيانة.
وتكشف الدراسة أن الإنفاق لا يرتبط فقط بحجم الأسطول، إذ بلغ متوسط كلفة الوقود والصيانة للمركبة المدنية نحو 14,175 شيكلًا سنويًا، مقابل 13,653 شيكلًا للمركبة العسكرية، فيما رصدت الدراسة تفاوتًا كبيرًا في كلفة تشغيل المركبات بين مراكز المسؤولية الحكومية المختلفة.
وفي عام 2025، سجلت بعض الجهات الحكومية معدلات مرتفعة للغاية في متوسط كلفة تشغيل المركبة، إذ بلغت في محافظة القدس نحو 112.3 ألف شيكل للمركبة، وفي محافظة رام الله والبيرة نحو 110.3 آلاف شيكل، بينما وصلت في وزارة الصحة إلى نحو 65.1 ألف شيكل، وفي وزارة التربية والتعليم إلى نحو 59.2 ألف شيكل للمركبة، وفق البيانات التي أوردتها دراسة «ماس».
وتظهر مشكلة التقادم بوضوح في بيانات الدراسة، إذ تجاوز عمر 34.6% من المركبات العسكرية 15 عامًا، مقابل 14.6% من المركبات المدنية، بينما تجاوز عمر 45.3% من المركبات العسكرية و27.7% من المركبات المدنية عشر سنوات. واعتبرت الدراسة أن استمرار تشغيل المركبات القديمة يراكم تكاليف الوقود والصيانة ويؤدي إلى تراجع قيمتها عند بيعها.
وبين عامي 2008 و2025، بيعت 3109 مركبات حكومية بقيمة إجمالية بلغت نحو 87.7 مليون شيكل، بمتوسط يقارب 28.2 ألف شيكل للمركبة، وفق البيانات التي أوردتها دراسة «ماس» حول المركبات التي خرجت من الخدمة وقيمتها عند البيع.
ولا تتوقف فاتورة الأسطول عند المركبات المملوكة للحكومة، إذ أظهرت البيانات التي تناولتها الدراسة أن المؤسسات المدنية أنفقت نحو 99.9 مليون شيكل على استئجار المركبات خلال الفترة 2014-2025، بمتوسط سنوي بلغ نحو 8.3 ملايين شيكل، واستحوذت وزارة الصحة على نحو 69.8 مليون شيكل من هذه النفقات، فيما بلغت حصة وزارة التربية والتعليم نحو 24.3 مليون شيكل.
غياب قاعدة بيانات
وترى دراسة «ماس» أن المشكلة تتجاوز ارتفاع قيمة الإنفاق إلى طبيعة الإدارة نفسها، إذ تحدثت عن غياب قاعدة بيانات موحدة تربط تسجيل المركبات بالمصاريف التشغيلية، وتفاوت كبير في ممارسات مراكز المسؤولية، وضعف الرقمنة والأتمتة، إلى جانب استمرار استخدام مركبات حكومية خارج الأطر الرسمية ووجود ازدواجية في الاستحقاقات المالية، ووصفت هذه المظاهر بأنها «تشوهات هيكلية في إدارة المال العام».
وتأتي هذه النتائج بعد سنوات من تقارير رقابية تحدثت بصورة أكثر مباشرة عن هدر المال العام وسوء استخدام المركبات الحكومية. ففي تقرير سابق، نقل ائتلاف «أمان» عن مسؤول في ديوان الرقابة المالية والإدارية، أبو زنيد، أن تقريرًا أعده الديوان حول المركبات الحكومية وطرق استخدامها كشف تجاوزات تمثلت في سوء استخدام المركبات وهدر المال العام، وامتلاك بعض المسؤولين أكثر من مركبة للتنقل، وارتفاع فواتير صيانة هذه المركبات، إلى جانب دفع بدل مواصلات لموظفين يتنقلون بسيارات حكومية.
وبحسب ما نقله «أمان» عن مسؤول ديوان الرقابة، شملت التجاوزات التي رصدها التقرير ضبط مركبات حكومية وهي تعمل خلال أيام العطل وخارج ساعات الدوام الرسمي، إضافة إلى وجود أشخاص يحملون قرارات استثنائية تخولهم استخدام المركبات الحكومية دون ضوابط، وقال المسؤول إن هذه الحالات لا تمتلك الحق القانوني في التصرف بالمركبات من دون إجراءات تنظم طريقة استخدامها.
وأوضح المسؤول الرقابي، وفق «أمان»، أن تقرير الديوان شمل 41 مؤسسة حكومية، بينما استُثنيت المركبات المملوكة للأجهزة الأمنية بسبب ما وصفه بخصوصية هذه المركبات وطبيعة المهام التي تقوم بها وصعوبة إخضاعها للتدقيق.
وفي تقرير آخر، وثق ائتلاف «أمان» مشكلات تتعلق باستخدام مركبات الحركة في المؤسسات الحكومية، مستندًا إلى بيانات وبرامج تتبع المركبات، وأشار إلى استخدام عدد من المركبات من قبل مديري دوائر للتنقل من أماكن السكن إلى أماكن العمل والعودة منها، رغم تقاضي بعضهم بدل مواصلات. كما أشار التقرير إلى استخدام مركبات خارج ساعات الدوام الرسمي، خصوصًا في العطل والأعياد، وإلى استخدام بعض المديرين مركبات مستأجرة خلال أوقات العمل وخارجها.
وأورد التقرير أن بعض حالات استخدام المركبات المستأجرة تمت بموجب استثناءات خطية من وزير المالية رغم تقاضي مستخدميها بدل مواصلات ثابتًا، كما أشار إلى أن بعض الموظفين كانوا يحصلون على إذن شفوي من المسؤول لاستخدام المركبة، الأمر الذي وصفه التقرير بأنه من مظاهر ضعف الرقابة والمساءلة.
ولم تتوقف الملاحظات الرقابية عند الاستخدام، إذ تحدث تقرير «أمان» عن ضعف متابعة بيانات أجهزة التتبع الموجودة أصلًا في بعض المركبات؛ فبحسب التقرير، كانت وزارة المالية قد زودت 120 مركبة حركة ببرنامج لتحديد المواقع، إلا أن الوزارة لم تكن تقوم بصورة كافية بمتابعة وتحليل البيانات المتعلقة بحركة هذه المركبات، ولم تتخذ إجراءات قانونية بحق المخالفين الذين جرى رصد استخدامهم للمركبات خارج الأطر المحددة.
شروط الاستحقاق
وفي ملف آخر يرتبط بتخصيص المركبات، وثق «أمان» أن مؤسسات السلطة الفلسطينية تتحمل من الموازنة العامة نفقات شراء المركبات وصيانتها وتأمينها وتوفير الوقود لها، بينما أشار التقرير إلى وجود إشكاليات في عملية تخصيص المركبات، بينها منح سيارات لأفراد بدل تخصيصها للمؤسسات، ووجود حالات لموظفين لا تنطبق عليهم شروط الاستحقاق، بحسب ما أورده التقرير.
كما أشار «أمان» في تقريره إلى أن عددًا من الموظفين حصلوا على امتياز استخدام المركبات نتيجة قربهم من صانع القرار في المؤسسة، وفق ما ورد في التقرير، مع غياب معايير واضحة ومحددة لتخصيص المركبات، وتسجيل حالات حصل فيها بعض المسؤولين على أكثر من سيارة بحكم عملهم في أكثر من موقع.
وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى ضعف الرقابة على استخدام المركبات الحكومية، واستخدام بعضها في كثير من الأحيان لأعمال خاصة، مؤكدًا أن الخزينة العامة تتحمل إلى جانب تكلفة السيارة نفسها نفقات الوقود والصيانة والتأمين والترخيص.
وسبق لائتلاف «أمان» أن وصف استخدام المركبات الحكومية خارج العمل الرسمي بأنه أحد أشكال استغلال المال العام، وقال في مادة تناولت قرارًا حكوميًا لتنظيم استخدام المركبات إن استمرار الاستخدام خارج أوقات العمل يترتب عليه إنفاق من الخزينة على الوقود والصيانة والتأمين والترخيص، بما يؤدي إلى استنزاف المال العام. كما أشار الائتلاف إلى تعرض القائمين على حملة سابقة لمتابعة الملف لضغوط، وإلى عدم تعاون بعض المؤسسات الحكومية مع الحملة، وما وصفه التقرير بـ«التغاضي والتواطؤ» من بعض المسؤولين عن مخالفات موظفين في مؤسسات ووزارات مختلفة.
أسطول متقادم
وتكشف دراسة «ماس» الجديدة أن مظاهر الهدر ليست محصورة في استخدام المركبات خارج الأطر الرسمية، بل ترتبط أيضًا بتراكم تكلفة تشغيل أسطول متقادم، وبغياب نظام موحد يتيح تتبع التكلفة الكاملة لكل مركبة، وبوجود تفاوت كبير بين الجهات الحكومية في الإنفاق، في وقت تستمر فيه الحكومة في تحمل نفقات شراء وتشغيل وصيانة واستئجار المركبات.
وفي تحليلها للفترة 2026-2030، قدرت دراسة «ماس» تكلفة استمرار الوضع القائم في العينة التي درستها بنحو 120.9 مليون شيكل، مقابل 109.7 ملايين شيكل في سيناريو شراء مركبات تقليدية جديدة، فيما قدرت تكلفة سيناريو الإحلال المرحلي بنحو 95.66 مليون شيكل. وهذه الأرقام هي تقديرات نموذجية للدراسة وليست أموالًا وفرتها الحكومة فعليًا.
وتضع البيانات الجديدة، إلى جانب ما سبق أن وثقته تقارير ديوان الرقابة وائتلاف «أمان»، ملف المركبات الحكومية ضمن الملفات التي ظهرت فيها على مدى سنوات مخالفات تتعلق باستخدام المال العام، وتخصيص المركبات، والوقود، والصيانة، والاستئجار، والاستخدام خارج أوقات الدوام، والرقابة على حركة المركبات. وتبقى الوقائع المتعلقة بكل حالة محددة مرتبطة بما أثبته كل تقرير رقابي أو دراسة على حدة

























































