اخبار لبنان
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٤ حزيران ٢٠٢٦
نادراً ما يلجأ اللبنانيون إلى كتابتها لتوزيع تركاتهم لأسباب عديدة فيفضلون اللجوء إلى بدائل عملية وأقل كلفة
في بلد تتكرر فيه الأزمات والحروب والكوارث، ويعيش سكانه على وقع القلق الدائم من المجهول، قد يبدو الحديث عن الوصية أمراً بديهياً. لكن المفارقة أن ثقافة كتابة الوصية لا تزال محدودة في لبنان، على رغم ما تحمله من أهمية قانونية وإنسانية في تنظيم شؤون الأفراد وحماية حقوق عائلاتهم بعد الوفاة.
ففي مجتمع يتجنب كثر فيه الحديث عن الموت، إما بدافع الخوف أو الاعتقاد أن مجرد التفكير فيه يجلب التشاؤم، تبقى الوصية موضوعاً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى. وبين اعتبارات دينية واجتماعية وعائلية، وعدم معرفة بالإجراءات القانونية، يفضل كثير من اللبنانيين ترك أمور الإرث والممتلكات والأموال لتحل بعد رحيلهم، ولو أدى ذلك أحياناً إلى نزاعات عائلية طويلة ومعقدة.
وعلى العكس تماماً، تُعد كتابة الوصية من الإجراءات القانونية الشائعة في الغرب، فيلجأ إليها كثر لتنظيم توزيع التركات.
تتفاوت الأرقام التي تشمل من يقدمون على هذه الخطوة بحسب الدول، وهي تظهر أن نسبة 32 إلى 46 في المئة من البالغين في الولايات المتحدة الأميركية يكتبون وصية، فيما تظهر الدراسات الحديثة أن نسبة 41 في المئة إلى 50 في المئة منهم في المملكة المتحدة يقدمون على هذه الخطوة بحسب الـ'التقرير الوطني حول الوصايا'، وتزيد معدلات من يكتبون وصية عادة لتوزيع تركاتهم مع التقدم في السن حيث تصل النسبة بين من هم فوق عمر 65 سنة إلى أكثر من 60 في المئة.
بصورة عامة، تعد ثقافة كتابة الوصية مقبولة وراسخة في الأذهان في الغرب، فيما لا ينطبق ذلك على المجتمعات العربية، وخصوصاً لبنان. فكما يبدو واضحاً، لا تعد فكرة كتابة الوصية شائعة لأسباب عديدة، وغالباً ما يلجأ الأفراد إلى بدائل عديدة لتنظيم تركاتهم وتوزيع الميراث سواء خلال حياتهم أو لما بعد الوفاة.
عبر التاريخ، تطورت كتابة الوصية بصورة ملحوظة، وبعدما كانت عبارة عن مجرد أقوال شفهية وعهود قبلية أو عائلية، تحولت إلى وثائق قانونية شرعية وملزمة وموثقة بين الأطراف المعنية. ففي مصر القديمة، استخدمها الفراعنة لتوزيع الثروات، واعتمدت لنقل العقارات ولتسمية وصيٍّ على الأطفال، وكانت آنذاك تُنقش على ألواح حجرية أو أوراق بردى وتُحفظ في المعابد أو تُسلم للشهود. وفي الحضارة الرومانية، عمل الرومان على تنظيمها، واعتبروا أن حرمان الورثة المباشرين من الميراث يتطلب تبريراً مكتوباً بحضور سبعة شهود، وسميت باللاتينية Testamentum. أما في العصر الإسلامي، فشرع الإسلام الوصية لحماية الحقوق وتنظيم التركات.
في العصور الوسطى في أوروبا كانت الكنيسة المشرف الأساس على الوصية، وكانت تُسجل في السجلات الكنسية، وكان من الشائع التبرع بجزء من التركة للكنيسة.
ثم تطورت الوصية في حقبات عديدة، إلى أن أصبحت في العصر الحديث تخضع إلى قوانين مدنية صارمة وتختلف باختلاف الأنظمة القانونية. لكن بدا واضحاً أن فكرة كتابة وصية أصبحت راسخة في الأذهان ورائجة في الغرب بمعدلات كبرى بالمقارنة مع مستوى رواجها في المنطقة وتحديداً في لبنان.
علماً أن الوصية في الغرب عبارة عن وثيقة قانونية ملزمة لتوزيع الأموال والأصول بعد الوفاة، ويمنح القانون الغربي الفرد حرية التصرف بالتركة لأي شخص أو جهة من دون أخذ حقوق الورثة الشرعية بالاعتبار أو فرض حصص لهم.
بحسب المحامية جورجيت بستاني هناك قوانين عديدة وأصول ملزمة في تطبيق الوصية في لبنان، وهي لا تكتب بطريقة عشوائية وبحرية تامة من قبل الموصى، إلى جانب أنها توقع لدى كاتب العدل (شخص لديه سلطة في وضع العقود القانونية) الذي من المفترض به أن يصادق عليها حتى تصبح قانونية وملزمة.
وهناك حقوق محفوظة للورثة لا يمكن تخطيها تجنباً للطعن بالوصية، سواء كان يكتب الموصى كافة ممتلكاته أو جزءاً منها لشخص غريب أو إذا كان يكتب لأحد أفراد العائلة. وفي لبنان، قد تكتب فئة معينة من الناس وصية قبل الوفاة، إلا أنها ليست شائعة كما في الغرب وفق ما توضحه بستاني. حتى أنه في الغرب قد تكتب الوصية في سن مبكرة، وهذا ما لا يعد شائعاً أبداً في لبنان إذ إنه من الممكن حتى أن يكتب بعضهم وصية ثم يتراجع عنها في مرحلة لاحقة، وهذا مقبول قانوناً أيضاً.
وتقول 'لا تنُفذ الوصية تلقائياً عند الوفاة، بل هناك عوامل تعقد التطبيق وتدعو كثراً إلى تجنب اللجوء إليها في لبنان، منها تعقيدات التنفيذ باللجوء إلى دائرة التنفيذ التابعة للدولة اللبنانية، وتسديد الرسوم المالية، والانتقال (انتقال الأملاك العقارية). وهذا ما يدفع كثراً إلى اللجوء إلى حلول بديلة لتوزيع تركاتهم وممتلكاتهم منها عقد البيع'.
بالفعل يعد عقد البيع (بين الشخص المعني والوريث) من الحلول البديلة الشائعة التي يلجأ إليها كثر لتوزيع تركاتهم على ورثتهم. وهي خطوة يقدمون عليها في حياتهم بدلاً من أن يواجه الورثة كل العمليات والتعقيدات المرتبطة بعملية حصر الإرث بعد الوفاة، وكل ما لها من كلف وما فيها من صعوبات.
فيعد عقد البيع أسهل وهو عملي أكثر، يضاف إلى ذلك أنه يصعب الطعن فيه أو اعتبار من يقوم به غير أهل لذلك. وفي عقد البيع، يمكن أن يُقدم الموصي على بيع بيت مثلاً لجاره من دون أن يتقاضى أي بدل مادي لقاء ذلك. إنما في الوقت نفسه، توضح بستاني أنه إذا أقدم والد مثلاً على تنفيذ عقد بيع لاثنين من أولاده وترك الثالث من دون أي تركة يمكن له الادعاء عليه واعتبار أنه يهرب أمواله أو حتى يمكنه القيام بذلك بعد وفاته للطعن بعقد البيع.
لكن في كل الحالات، يلجأ كثر إلى عقد البيع كحل بديل لأن الكلف المترتبة عنه هي أقل بالمقارنة مع حصر الإرث والوصية، وهناك تعقيدات أقل فيها.
تلك الحلول التي يُلجأ إليها بمعدلات كبرى في لبنان بالمقارنة مع الوصية تبدو عملية أكثر، ولها كلف أقل، ولا تستدعي قيام الورثة بمعاملات كثيرة كما بالنسبة إلى الوصية ولحصر الإرث، فتسهل الأمور عليهم.
تبرز مجموعة من العوامل الاجتماعية والثقافية والقانونية التي جعلت الوصية أمراً استثنائياً أكثر منه ممارسة شائعة.
في المجتمع اللبناني، كما في العديد من المجتمعات العربية، يرتبط الحديث عن الوصية بالموت، وهو موضوع يتجنب كثيرون الخوض فيه. فالتفكير في كتابة الوصية يُنظر إليه أحياناً على أنه تشاؤم أو استباق للقدر، ما يدفع الأفراد إلى تأجيل هذه الخطوة أو تجاهلها بالكامل.
كما أن النظام الطائفي الذي يحكم قضايا الأحوال الشخصية والإرث في لبنان يلعب دوراً أساسياً في هذا الواقع. فلكل طائفة قوانينها الخاصة المتعلقة بالميراث، ما يدفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن توزيع التركة محدد مسبقاً ولا يحتاج إلى وصية تنظم تفاصيله.
في الوقت عينه تسهم قوة الروابط العائلية أيضاً في تراجع الاهتمام بالوصية، إذ يعتقد كثير من اللبنانيين أن أفراد الأسرة سيتمكنون من التفاهم بعد الوفاة أو أنهم على دراية برغبات المورث. إلا أن التجارب العملية تظهر أن غياب وصية واضحة قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى نزاعات عائلية وخلافات قضائية طويلة حول الممتلكات والعقارات.
إلى جانب ذلك، لا يزال الوعي القانوني بأهمية الوصية محدوداً. فكثيرون لا يدركون أنها أداة قانونية تساعد على تنظيم إدارة الممتلكات بعد الوفاة، وحماية حقوق بعض أفراد الأسرة، وتأمين مستقبل القاصرين، فضلاً عن تمكين الشخص من تخصيص جزء من أمواله لأغراض خيرية أو لأشخاص لا تشملهم قواعد الإرث التقليدية.
ويضاف إلى ذلك ما يراه البعض من تعقيدات إجرائية مرتبطة بتنظيم الوصية وتوثيقها لدى الجهات المختصة، الأمر الذي يحد من الإقبال عليها. كما أن طبيعة الثروة في لبنان، التي تتمثل إلى حد كبير في العقارات والشركات العائلية، تدفع العديد من أصحابها إلى تأجيل البحث في مسألة انتقال الملكية بسبب حساسيتها أو خشية إثارة الخلافات داخل الأسرة.
ومع ذلك، بدأت النظرة إلى الوصية تتغير تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً مع تزايد الهجرة وتوزع أفراد العائلات بين دول مختلفة، وارتفاع حالات الزواج المختلط، وتعقّد الأوضاع المالية والاستثمارية. وقد دفعت هذه التحولات شريحة متزايدة من اللبنانيين إلى التفكير في أهمية التخطيط المسبق لشؤونهم المالية والقانونية، ما ساهم في تنامي الاهتمام بثقافة الوصية، وإن كان ذلك لا يزال في نطاق محدود مقارنة بالعديد من الدول الأخرى.
يقول أنطوان إنه أقدم على تنفيذ عقد بيع لولديه من دون تقاضي بدل مادي، فكتب لهما عقارين يملكهما في هذا العقد تجنباً للتعقيدات المرتبطة بحصر الإرث بعد وفاته. في الوقت نفسه، حفظ حقه في حياته عبر حق الاستثمار الذي يخوله الحفاظ على حقوقه واستثمارها حتى لو باعها لولديه. لكن لم يخطر بباله أبداً أن يكتب وصية لهما لتوزيع التركة لأن هذه الخطوة ليست شائعة أبداً في محيطه.
هذه الخطوة نفسها أقدم عليها أيضاً جهاد الذي له منزل في الجبل وآخر في العاصمة بيروت، واختار تنفيذ عقد البيع لابنتيه في حياته ليضمن حقوقهما كونه مريضاً ويخشى أن يتعرض لأية أزمة صحية في أي وقت كان. ولم يكن يرغب على حد قوله أن تعاني ابنتاه بعد الوفاة مع معاملات حصر الإرث. كان الحل بالنسبة إليه في عقد البيع للمنزلين لابنتيه، مع حرصه على حق الاستثمار له ولزوجته طالما أنهما على قيد الحياة حفاظاً على حقوقهما.
يوضح الرئيس السابق لمجلس كتاب العدل في لبنان جوزاف بشارة أن مبدأ كتابة الوصية موجود داخل لبنان في ظل نظام تعددية طائفية وتعدد القواعد القانونية التي يخضع لها، بحسب الطوائف الموجودة. فلدى المسيحيين، يطبق القانون المدني لغير المحمديين ويعطي لكاتب العدل صلاحية كتابة الوصية وتوقيعها. أما إذا كان الموصي مسلماً شيعياً، فتسجل لدى المحاكم الشيعية والجعفرية. ويربط بشارة بين مستوى انتشار الوصية في الشرق الأوسط والبنية العائلية إذ إن هناك أصحاب حصص محفوظة حكماً هم الأب والأم والأولاد، وهي من العناصر التي تعطل كتابة وصية، وهذا ما يجعل كثراً لا يلجأون إلى كتابة وصية، إلا إذا كان الشخص عازباً ويريد أن يخصص تركته لشخص آخر.
وقال 'في هذه الحال، لا يكون هناك أصحاب حقوق محفوظة يقيدونه في الوصية التي يكتبها أو قد يطعنون بها. وتعد الطائفة الدرزية الوحيدة التي تترك الحرية كاملة في كتابة الوصية، ولا تخصص في الوصية حصصاً معينة لورثة تحفظ حقوقهم، وذلك بفضل تعديل قام به الزعيم السابق كمال جنبلاط'.
لكن بحسب بشارة تبقى المشكلة في تنفيذ الوصية الذي لا يعد سهلاً فيفرض اللجوء إلى دائرة التنفيذ، وتبليغ الورثة، ودفع الضرائب المستحقة. كما أنه في حال كان هناك اعتراض على الوصية يكون هناك تدبير قضائي. أما في حال القيام بعقد بيع، فلا تكون هناك حاجة إلا إلى التسجيل تنفيذاً لعقد البيع. في الوقت نفسه، يفضل الأهل في لبنان ترك الأمور كما هي وحفظ حقوقهم من خلال حق الاستثمار، إلى جانب الحقوق التي يحفظونها لأولادهم. بهذه الطريقة تذهب الملكية تلقائياً إلى الأولاد من دون أن تكون هناك حاجة للمرور بكل معاملات حصر الإرث المعقدة وتحمل كلف إضافية.
إضافة إلى هذه العوامل التي تسهم في خفض نسب اللجوء إلى الوصية في لبنان وفي الشرق عامة، يشير بشارة إلى النظرة إلى الموت، ففيما هناك مصالحة مع فكرة الموت في الغرب، لا ينطبق ذلك على الشرق والدول العربية لأنه ليس هناك قبول لفكرة الموت، بل يشعر الفرد بأن كتابة الوصية خطوة تقربه من الموت الذي يخشاه ولا يتقبله أصلاً، فإذا خطر بباله أن يكتبها يفعل ذلك حين يكبر في السن أو يدرك أنه على فراش الموت، ونادراً جداً ما يفعل ذلك مسبقاً وهو بكامل صحته.











































































