اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٣ أذار ٢٠٢٦
لطالما طرحت على نفسي هذه الإشكالية الفلسفية. هناك رأيان من هذا القبيل: رأي المغالين في قدرهم وأثر فعلهم ورأي المفرطين في الحط من شأنهم.
يرى الفريق الأول ان نوابغ القوم هم العلّة الوحيدة لكل ما حاز الجنس البشري من الكمالات؛ وان تأريخ البشرية إن هو في الحقيقة إلّا تأريخ هؤلاء الأبطال. انهم، رغم ما يبدو، أرباب العالم، وقادة الورى، وأساتذة البشر، بل ان كل ما بذله القوم من النفس والنفيس، والغالي والرخيص، في سبيل ما حصلوا عليه من المحسّنات، ابتكره هؤلاء العظام وحدهم، وان كل نافع مفيد حصرا نتاج قرائح دواهي القوم ونوابغهم، وتحقيق ما دار في خلدهم من الأفكار المثلى، والنيّات الفضلى.
ويذهب ناكرو شأن النوابغ، إلى ان لا حظ لهم، بذات نفسهم، من كل ما يعزى إليهم من تطلّع إلى شاهقات الفكر، وأنهم ليسوا في شيء مما قد تسمو به الألفة من تقدّم وفلاح. والفضل كله إنما هو للمجتمع الذي يؤثر فيهم، وليسوا هم المؤثرين فيه. وذلك ان النابغة يولد وينشأ ويتدرّج بين ظهراني مجتمع من المجتمعات محدود؛ فيه للوراثة والتربية والعادات العوامل الكبرى، ما لا بد أن يؤثر في تكون قريحة ذاك المرء ونموّها وتدرّجها. وإن هو سعى في العمل بين قومه، ركن إلى الوسائل التي تضعها بين يديه الألفة عينها. وعليه، ان اثر إبطال البشرية لا يكاد يكون شيئا يذكر. ويقتصر دوره في قدرته - لفضل ما فيه من الذكاء - على سبق غيره في الوقوف على ميل الأفكار، وتطوّر الأحوال، ونزعات الأقوام، ما يمكنه من إعلان أسباب مجاري الأمور واتباعها. ففضله الوحيد - إن كان هناك فضل - لا يزيد على فضل الروابط التي، لارتفاعها، تتلقّى أنوار الشمس البازغة، قبل أن تستنير الوديان.
الحقيقة قائمة فعلا في وسط الرأيين، لا تحيد عنه قدر ذرة. فأعمال النوابغ أعمال بشرية، وطريقة مزاولتها لا تتعدّى الطرائق البشرية، بدليل المبدأ القائل: تجري الصنائع مجرى الطبائع. والحال ان أرباب القرائح - مهما فاقوا في المزايا، وتفرّدوا في الخصال - لا يخرجون على حيز الإنسانية، وإلّا لتغيّر كيانهم. فهم باقون إذا بشرا من حيث الطبيعة، ومن ثم في طريقة مزاولة الأعمال. ولكنهم بدء كل ثورة ومبدعون يتنبأون وإلّا ما كان للمتنبي، مثلا، ان يتنبأ، وأن نردد من بعده هذا البيت أو ذلك من شعر نبوءاته التي هي حكم تعلو على الحكم!
أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه











































































