اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٨ أذار ٢٠٢٦
مع تأكد استهداف إسرائيل لمنطقة عسلوية، لم يعد الحدث مجرد ضربة عسكرية ذات طابع تكتيكي، بل تحوّل إلى نقطة مفصلية في مسار الصراع الإقليمي، تحمل في طياتها أبعاداً تتجاوز إيران وإسرائيل لتطال أمن الطاقة العالمي، واستقرار الأسواق، وتوازنات الملاحة البحرية في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
فالمنطقة المستهدفة ليست موقعاً عادياً، بل تشكّل العقدة الأساسية لمعالجة الغاز الإيراني المرتبط بـ حقل بارس الجنوبي، وهو الحقل الذي يُعد الأكبر عالمياً، ويمتد إلى الجانب القطري حيث يُعرف باسم حقل الشمال. هذا الترابط الجغرافي والاقتصادي يجعل أي استهداف لهذه البنية بمثابة ضربة تتجاوز حدود دولة واحدة، لتصيب شبكة طاقة مترابطة يعتمد عليها جزء كبير من العالم.وقد انعكس هذا الواقع سريعاً على الأسواق، حيث شهدت أسعار الطاقة ارتفاعاً فورياً، ليس فقط نتيجة الضرر الفعلي، بل بسبب الخوف من السيناريوهات القادمة. فالأسواق لا تتعامل مع الوقائع فقط، بل مع احتمالات التصعيد، ومع كل ضربة تقترب من البنية التحتية للطاقة، يرتفع منسوب القلق، ويُعاد تسعير المخاطر على مستوى عالمي.لكن الأثر الأعمق لهذا الاستهداف يظهر في الداخل الإيراني نفسه. فإيران تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء، ويأتي الجزء الأكبر من هذا الغاز من بارس الجنوبي، الذي تتم معالجته في عسلوية. وهذا يعني أن الضربة لا تستهدف التصدير أو الإيرادات فقط، بل تلامس مباشرة استقرار الطاقة داخل البلاد، ما قد يفتح الباب أمام ضغوط اقتصادية ومعيشية داخلية، في حال تطورت الأضرار أو استمر الاستهداف.في المقابل، لا يمكن فصل هذا الحدث عن الحسابات الإقليمية الأوسع. فاستهداف منشأة بهذا الحجم والحساسية يحمل رسالة واضحة بأن الصراع دخل مرحلة جديدة، حيث لم تعد المواجهة محصورة بالحدود العسكرية التقليدية، بل انتقلت إلى استهداف مفاصل الاقتصاد الحيوي. وهذا التحول يضع دول الخليج، وخصوصاً تلك المرتبطة مباشرة بإنتاج الطاقة، أمام واقع أكثر تعقيداً، حيث تصبح منشآتها الاستراتيجية ضمن دائرة القلق، حتى وإن لم تكن مستهدفة بشكل مباشر.وفي هذا الإطار، يبرز احتمال أن يكون لهذا الاستهداف بعد يتجاوز الضغط على إيران، ليصل إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الدولية المحيطة بالصراع. فمع تعريض أحد أهم مصادر الغاز في العالم للخطر، تصبح الدول المستوردة، وخصوصاً الأوروبية، أمام معادلة جديدة: إما البقاء في موقع المتفرج، أو الانخراط بشكل مباشر في ترتيبات أمنية تضمن حماية إمداداتها.وهنا تحديداً يبرز دور مضيق هرمز، الذي يُعد الشريان الأساسي لعبور جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية. فمع تصاعد المخاطر في محيط الإنتاج، ينتقل القلق تلقائياً إلى مسارات النقل، ما يعيد طرح فكرة تشكيل أو تعزيز تحالفات دولية لتأمين الملاحة في هذا الممر الحيوي. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الاستهداف كجزء من محاولة غير مباشرة لدفع الأوروبيين نحو المشاركة في تحالفات بحرية، بعدما كانوا يترددون في الانخراط المباشر في مثل هذه الترتيبات.
إن رفع مستوى التهديد حول الطاقة لا يضع إيران وحدها تحت الضغط، بل يخلق حالة من القلق الدولي تدفع القوى الكبرى إلى إعادة التموضع. فأوروبا، التي تسعى منذ سنوات إلى تنويع مصادر طاقتها وتقليل اعتمادها على بعض الموردين، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍ جديد: كيف تضمن استقرار الإمدادات في منطقة تتجه نحو مزيد من التصعيد؟ وهل يمكنها البقاء خارج المعادلة الأمنية في الخليج، بينما ترتبط مصالحها الحيوية بما يجري فيه؟في الوقت نفسه، فإن أي تحرك نحو عسكرة أكبر للممرات البحرية يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة، حيث يصبح الاحتكاك بين القوى الدولية والإقليمية أكثر احتمالاً. فتعزيز الوجود العسكري في هرمز، تحت عنوان حماية الملاحة، قد يُفسَّر من قبل إيران كخطوة تصعيدية، ما يزيد من احتمالات الرد، سواء بشكل مباشر أو عبر أدوات غير تقليدية.وفي ظل هذه المعطيات، لا يبدو استهداف عسلوية حدثاً معزولاً، بل جزءاً من مشهد أوسع يعاد فيه رسم خطوط الصراع، حيث تتحول الطاقة من عنصر اقتصادي إلى أداة ضغط استراتيجية، وتصبح الممرات البحرية ساحات مواجهة محتملة. إنها لحظة تختلط فيها الحسابات العسكرية بالاقتصادية، وتتشابك فيها مصالح الدول بشكل يجعل أي تصعيد موضعي قابلاً للتحول إلى أزمة دولية أوسع.
ان ما جرى في عسلوية يتجاوز كونه ضربة لمنشأة طاقة، ليصبح مؤشراً على دخول المنطقة مرحلة جديدة عنوانها: استهداف مراكز الثقل الاقتصادي لإعادة تشكيل التوازنات. وبين ارتفاع الأسعار، وقلق الأسواق، واحتمالات تشكيل تحالفات بحرية في هرمز، يبدو أن العالم بات أمام معادلة أكثر تعقيداً، حيث لم تعد خطوط المواجهة تُرسم فقط على الجغرافيا، بل أيضاً على خرائط الطاقة والتجارة العالمية.











































































