اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢١ أيار ٢٠٢٦
يشهد تجمع الخان الأحمر البدوي شرق القدس المحتلة حالة توتر متصاعدة خلال الأيام الأخيرة، في ظل عودة ملف الإخلاء والهدم إلى الواجهة من جديد، بعد قرارات وتصريحات “إسرائيلية” أعادت مخاوف التهجير القسري إلى السكان.
وبين خيام وبنايات من الصفيح تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، يعيش مئات الأهالي حالة ترقب ثقيل، مع خشية من أن تتحول الإجراءات الأخيرة إلى خطوة تنفيذية على الأرض، في سياق مخططات تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا في محيط القدس الشرقية، وربط المستوطنات الكبرى في المنطقة.
يقطن الخان الأحمر نحو 200 فلسطيني من التجمعات البدوية في بيوت من الصفيح والخيام، ويواجهون منذ سنوات تهديدات متواصلة بالتهجير لصالح مشروع استيطاني يُعرف باسم 'E1'، الذي يهدف إلى توسيع المستوطنات وربط 'معاليه أدوميم' بالقدس الغربية، بما قد يؤدي إلى عزل المدينة عن محيطها وتقسيم الضفة الغربية إلى جزأين، وهو ما يحذر مراقبون من أنه يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً ضمن حل الدولتين.
نتمسك بكل خيمة
وفي ظل هذه الضغوط، يعيش سكان التجمع حالة من التمسك الجماعي بالبقاء في أراضيهم، رغم تصاعد اعتداءات المستوطنين وتكرار محاولات التضييق، مؤكدين أن هذه الممارسات لم تدفعهم إلى مغادرة المكان، بل زادت من إصرارهم على الثبات في أراضيهم التي عاشوا فيها منذ عقود، باعتبارها مصدر حياتهم وامتداداً لوجودهم التاريخي في البادية.
ويقول عيد الجهالين: 'نعيش هنا منذ عقود طويلة، هذه أرضنا التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، ولن نغادرها مهما اشتدت الضغوط. كل يوم نواجه تهديداً جديداً، مرة بإخطارات ومرة بهجمات من المستوطنين، لكننا ما زلنا هنا'.
ويضيف وهو يشير إلى محيط التجمع البدوي: 'اعتداءات المستوطنين لم تعد أحداثاً متفرقة، بل أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية. أحياناً يتم الاعتداء على المواشي، وأحياناً يتم تخريب الممتلكات أو محاولة منعنا من الوصول إلى المراعي'.
ويؤكد الجهالين أن الهدف من هذه الاعتداءات هو دفع السكان إلى الرحيل قسراً، مضيفاً: 'يريدون أن يجعلوا الحياة هنا مستحيلة، لكننا ندرك أن ترك الأرض يعني خسارتها للأبد، لذلك نتمسك بكل خيمة وكل متر هنا'.
وعن مخاوف المستقبل، يقول: 'نحن لا نملك ترف المغادرة. هذه الأرض هي مصدر رزقنا الوحيد. إذا خرجنا، لن نجد مكاناً آخر نعيش فيه بهذا الشكل، لذلك خيارنا واضح: البقاء مهما كان الثمن'.
وفي السياق ذاته، قال رئيس مجلس قروي الخان الأحمر عيد أبو داهوك، إن قرار وزير مالية الاحتلال بتسلئيل “سموتريتش” بإخلاء القرية البدوية بالكامل يمثل قراراً 'تعسفياً' يهدف إلى اقتلاع السكان الفلسطينيين من أراضيهم ضمن محاولات مستمرة لفرض وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة في المنطقة.
وأوضح أن الخان الأحمر يتعرض لسياسات تضييق واعتداءات متكررة تشمل هدم المنازل وقتل الثروة الحيوانية وخلق بيئة ضغط مستمر لدفع السكان نحو الرحيل القسري، لافتاً إلى أن القرية تعيش حالة من الخوف والترقب في ظل تصاعد الاستهداف ومحاصرتها بالكامل بالبؤر الاستيطانية واعتداءات المستوطنين، في سياق مشاريع مرتبطة بما يسمى “القدس الكبرى” ومخطط “E1”.
ويؤكد أن السكان يتمسكون بأرضهم باعتبارها “السلاح الوحيد” في مواجهة هذه السياسات، محذراً من أن تنفيذ الإخلاء بالقوة سيؤدي إلى اقتلاعهم من أرضهم ومصادر رزقهم، ويفضي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، بما يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
من جانبه، قال الخبير في قضايا الجدار والاستيطان جمال جمعة، إن سياسة إخلاء الخان الأحمر ليست تطوراً طارئاً، بل جزء من نهج “إسرائيلي” ممتد بدأ بعد اتفاق “أوسلو”، حيث أقدمت سلطات الاحتلال عام 1996 على إخلاء أول تجمع بدوي يضم نحو 200 عائلة، في إطار سياسة تهدف إلى تفريغ المنطقة تدريجياً من التجمعات البدوية.
وأضاف جمعة أن جميع التجمعات البدوية في برية القدس، والبالغ عددها 46 تجمعاً، باتت مهددة بالإخلاء والهدم، في ظل أوامر ومخططات “إسرائيلية” متراكمة تستهدف الوجود الفلسطيني في المنطقة.
وأشار إلى أن الخان الأحمر شكّل محطة صمود بارزة خلال عام 2018، حين واجه السكان محاولات الإخلاء، ما أدى إلى إفشال المخطط الذي كان يستهدف 22 تجمعاً في محيط مستوطنة “معاليه أدوميم”، موضحاً أن هذا الصمود جاء نتيجة تضافر عوامل متعددة شملت المقاومة الشعبية والتضامن المحلي والدولي، إلى جانب المسار القانوني أمام المحاكم الدولية.
'إعادة رسم الجغرافيا'
وأوضح الخبير أن ما يجري اليوم يأتي في سياق أوسع لمخطط 'إسرائيلي' يهدف إلى إخلاء وضم مناطق واسعة من الضفة الغربية، وهو ما يتسارع بشكل ملحوظ بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث تم، بحسب تقديراته، إخلاء أكثر من 70 تجمعاً بدوياً، بالتوازي مع تصاعد الاعتداءات اليومية وتوسع إقامة البؤر الاستيطانية الرعوية التي تجاوز عددها 260 بؤرة.
ويرى جمعة أن قرار إعادة طرح إخلاء الخان الأحمر في هذا التوقيت يرتبط بمحاولة حكومة الاحتلال، وخصوصاً وزير ماليتها 'سموتريتش'، تسريع تنفيذ مشاريع الاستيطان قبل الاستحقاقات السياسية المقبلة، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل تحدياً مباشراً للمجتمع الدولي، وفي الوقت نفسه رسالة داخلية لرفع معنويات المستوطنين وتشجيعهم على المضي في اعتداءاتهم.
يقول الكاتب والمحلل السياسي علاء الريماوي إن قرار إخلاء الخان الأحمر يأتي ضمن سلسلة طويلة من السياسات 'الإسرائيلية' الهادفة إلى فرض السيطرة على الضفة الغربية، سواء عبر تسجيل الأراضي أو التوسع الاستيطاني الذي مكّن من السيطرة على مساحات واسعة، إلى جانب عمليات ترحيل متواصلة للتجمعات البدوية، خاصة في مناطق الأغوار ومحيط أريحا، وصولاً إلى منطقة “E1” التي تُعد حلقة وصل استراتيجية بين الضفة الغربية المحتلة ومدينة القدس المحتلة.
وأشار الريماوي إلى أن الاحتلال يواصل تثبيت سيطرته التدريجية على المناطق المحيطة بالقدس، من قلنديا وحزما إلى العيزرية وأبو ديس، وصولاً إلى أريحا والأغوار والامتدادات من بيت لحم حتى الخليل، بما يؤدي إلى تقويض التواصل الجغرافي والديمغرافي مع القدس وضم عمق جغرافي يربط شمال الضفة بجنوبها، في إطار ما يصفه بسياسة ترسيخ الضم وتثبيت السيطرة عبر 'إعادة رسم الجغرافيا' وربط المستوطنات الصغيرة بالمراكز الاستيطانية الكبرى داخل القدس.
وحذّر من أن غياب الفاعلية الدبلوماسية الفلسطينية يستوجب تحركاً عربياً ودولياً عاجلاً، إلى جانب موقف فلسطيني شعبي وسلمي رافض لهذه المخططات، مؤكداً أن السيطرة على هذه المنطقة ستقوض عملياً إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
يؤكد مدير عام دائرة العمل الشعبي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عبد الله أبو رحمة أن وزير المالية “الإسرائيلي” بتسلئيل “سموتريتش” يواصل منذ دخوله الحكومة العمل على فرض السيادة “الإسرائيلية” على الضفة الغربية، وتهيئة الأرضية السياسية والقانونية لعملية ضم واسعة، وصولاً إلى ما وصفه بـ“وأد أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة”.
ويشير أبو رحمة إلى أن دور 'سموتريتش' لم يقتصر على الجانب الحكومي، بل امتد عبر مسارات متعددة تشمل سنّ قوانين داخل الكنيست، واستغلال موقعه في وزارة المالية لضخ أموال ضخمة لصالح الاستيطان، بالتوازي مع سياسات تسريع هدم المنازل الفلسطينية وتهجير السكان، إلى جانب دوره في وزارة الحرب والإدارة المدنية، بما يتيح له إصدار أوامر هدم ووقف بناء وتوسيع السيطرة الميدانية على الأرض.
ويضيف أن هناك 'جانباً غير رسمي' في نشاط “سموتريتش” يتمثل في دعم وتمكين ميليشيات المستوطنين، عبر توفير التمويل والمركبات والبنية التحتية والطرق، إلى جانب ما أُعلن عنه من شرعنة أكثر من 103 مستوطنات ونحو 160 بؤرة استيطانية خلال الفترة الأخيرة، ليصل إجمالي البؤر الاستيطانية إلى ما بين 360 و380 بؤرة على الأراضي الفلسطينية.
صمود الأهالي
وفي سياق ما يُعرف بـ'خطة الحسم'، يوضح أبو رحمة أن هذه السياسات تقوم على ثلاث خيارات تُفرض على الفلسطينيين: التهجير أو القتل أو العيش تحت شروط الاحتلال، مؤكداً أنها رؤية لا تميّز بين مناطق (أ) و(ب) و(ج)، بل تستهدف كامل الجغرافيا الفلسطينية.
أما بشأن تجمع الخان الأحمر، فيعتبر أبو رحمة أنه يقع ضمن سياق سياسي واستيطاني مرتبط بمخطط 'E1'، الهادف إلى ربط مستوطنة 'معاليه أدوميم' بالمستوطنات المحيطة وصولاً إلى القدس، بما يؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وعزل القدس عن محيطها الفلسطيني. ويشير إلى أن الخان الأحمر يشكل تجمعاً مركزياً، لكنه محاط بـ18 تجمعاً بدوياً أخرى مهددة بالاستهداف ضمن المخطط ذاته، موزعة بين جبل البابا والنبي موسى.
ويلفت أبو رحمة إلى أن هذه التحركات تتزامن مع ضغوط سياسية داخلية يواجهها 'سموتريتش'، ومحاولته توظيف التصعيد ضد الفلسطينيين لتعزيز موقعه الانتخابي، في ظل عدم تجاوزه نسبة الحسم في الانتخابات المقبلة حتى الآن، ما يدفعه إلى تصعيد خطاب التهجير والاستيطان.
ويؤكد أن المخططات 'الإسرائيلية'، بما فيها مشروع “E1” الذي تمت المصادقة عليه ضمن رؤية تمتد حتى عام 2050، تهدف إلى خلق تواصل استيطاني بين'معاليه أدوميم' والقدس، بما يترتب عليه تداعيات خطيرة على إمكانية إقامة دولة فلسطينية، وعلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وعزل القدس بالكامل.
ويشدد أبو رحمة على أن صمود الأهالي والتكاتف الشعبي يمثلان عاملاً حاسماً في إفشال هذه المخططات، كما حدث في محطات سابقة، مؤكداً أن استمرار الحضور الشعبي والدعم الميداني يمكن أن يحدّ من قدرة هذه السياسات على فرض وقائعها على الأرض.

























































