اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
أتذكر أبي رحمة الله عليه في سبعينات القرن الماضي، وأتذكر معه تلك الأيام القاسية التي قضاها ضاربا بمهدته صخور الجبال في الكسارات، في وادي الرمم والجسور العشرة. كان يعارك صلابة الصخور بجهده وعرقه، ويواجه حر الصيف ولهيبه وبرد الشتاء القارس، بلا مظلة تقيه ولا قوانين تسنده.
وحين كانت السماء تمطر، لم يكن يرجع إلى بيته إلا «بخفي حنين»؛ بلا أجر، ولا تعويض، ولا إجازات تريحه من عناء العمل. في ذلك الزمن الصعب، لم يكن أبي ومن معه من العمال يملكون أي تغطية أو حماية أو حقوق تضمن لهم حياة كريمة، وكانوا تحت رحمة أصحاب عمل يتجبر بعضهم بهم وبعرقهم. فإذا تعرض العامل لإصابة أو أقعده المرض، لم يجد ما يطعم به الأفواه الجائعة سوى بعض الدنانير التي خبئها ان بقي منها شيء، وهي لا تكفي مؤونة الحياة حتى يتمكن من العودة إلى ذلك العمل القاسي. أما إذا سقط من المحجر، أو انفجر فيه لغم، وانتقل إلى جوار ربه، فلا يجد أبناؤه وزوجته من يعينهم سوى إحسان المحسنين.
كانت تلك حياة أبي، وكانت تلك حال كثير من العمال في ذلك الزمن؛ تعب لا ينتهي، ومخاطر تحيط بهم، ومستقبل لا يعرفون ماذا يخبئ لهم.
وعندما صدر أول قانون للضمان الاجتماعي، في عام 1978 في مثل هذا اليوم، كنت طالبا على مقاعد الدراسة في الصف الثاني الثانوي. وكانت والدتي الطاهرة المكافحة، رحمها الله، ترعى بصبر عائلة تتألف من أربعة عشر فردا، وتتحمل أعباء الحياة بكل ما فيها من مشقة. ومن تلك الأيام تعلمنا درسا لم أنسه: شوفو ابوكم وتعلموا، وأن من يترك دراسته ومستقبله، قد يجد نفسه في يوم من الأيام يواجه نفس المصير الذي واجهه ابوكم.
كانت الدراسة بالنسبة لي ولإخوتي هدفا ومصيرا، فدخلت الجامعة الأردنية وتخرجت منها وعدت اليها بعد ذلك وحصلت على الماجستير، وبعد البكالوريوس التحقت بخدمة العلم في صفوف القوات المسلحة الأردنية، في مناطق الشمال، حيث أعتقد أنني مررت بمعظم قراها. وهناك تعلمت من الحياة دروسا أخرى، واكتسبت من تجربة العسكرية معاني الرجولة والانضباط وتحمل المسؤولية.
كنا نتقاضى في بداية خدمتنا راتبا شهريا لا يتجاوز (15.55) دينارا، قبل أن «نتنغنغ» بزيادة هائلة أوصلته إلى (19.55) دينارا! وكان هذا المبلغ، على بساطته، يكفينا حينها لشراء ما نحتاجه من دخان «الجولدستار». كانت أيامنا بسيطة، لكن تجاربها كانت كبيرة، تعلمنا منها الكثير عن الحياة والناس، ومضت السنين لتنسج في أرواحنا حكاية كفاح طويلة.
وبعد التسريح من خدمة العلم، عملت في إحدى شركات المقاولات. كان الدوام يبدأ في الثامنة صباحا، ولا ينتهي إلا «على مزاج» صاحب الشركة، ومتى قرر المغادرة. ومع ذلك، كنت فرحا جدا بهذه الوظيفة، فقد كنت أراها، مقارنة بما عاناه أبي في عمله الشاق، نوعا من الرفاهية.
وكان الشمول بالضمان الاجتماعي في ال 86 قبل اربعين عاما ينظر إليه آنذاك على أنه أمر يمكن الاستغناء عنه، بحجة أن التقاعد ما زال بعيدا. لكنني كنت أتذكر أبي وما عاناه في حياته، وأتذكر شيخوخته التي لم يجد فيها سوى بر أبنائه وما يقدمونه له من عون. لذلك أدركت مبكرا أن الإنسان لا ينبغي أن يترك مستقبله للمصادفة، وأصررت على الشمول بالضمان الاجتماعي، رغم كل شيء.
وهناك، دارت عجلة الأقدار. حضرت «أم فراس»، ضابط ارتباط الضمان في الشركة، لتخبرني عن حاجة المؤسسة إلى موظفين جدد. تقدمت بطلب الالتحاق، وخضعت لمسار طويل وشاق من الامتحانات، وسط أعداد كبيرة من المتقدمين، ثم أجريت مقابلة أمام لجنة الموظفين، تلتها المقابلة الفاصلة مع المدير العام آنذاك، المرحوم الدكتور مهدي الفرحان، ونخبة من المدراء الأفاضل. واجتزت تلك المراحل جميعها، بحمد الله، دون واسطة أو توصية وكانت وصية امي هي الصورة الذهنية العاقية في ذهني وحياة ابي القاسية المحرك الرئيسي لي.
وبدأت مسيرتي الرسمية في المؤسسة في نهايات ال 1987، واستمرت حتى تقاعدت في خدمة قاربت ال 38 عاما من العمل والعطاء. وخلال هذه المسيرة، تدرجت بعزم وإخلاص من موظف صغير إلى مواقع المسؤولية العليا، فعملت مدير ماليا للمؤسسة ومديرا للتدقيق الداخلي واستلمت في مرحلة من المراحل مديرا عاما بالوكالة للمؤسسة، ورئيسا لصندوق الاستثمار بالوكالة في الوقت نفسه، ثم مساعدا للمدير العام للشؤون المالية والإدارية، إلى جانب محطات أخرى كثيرة أعتز بها.
وتقاعدت بكرامة، والحمد لله، ولم أكرر مأساة أبي؛ فقد حظيت براتب تقاعدي كريم وفر لي ولأسرتي الأمان، وجنبني الحاجة إلى الآخرين، حتى أبنائي وبناتي. وهنا أدركت أكثر من أي وقت مضى قيمة الضمان الاجتماعي، ليس باعتباره راتبا تقاعديا فحسب، بل باعتباره حماية تحفظ للإنسان كرامته، وتمنحه شيئا من الطمأنينة بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء.
إن فضل المؤسسة علي عظيم، ولطالما آمنت، وما زلت أقولها بكل قناعة، إن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي هي أعظم إنجاز اجتماعي عرفته الدولة الأردنية في تاريخها الحديث.
ولذلك، حين أدافع اليوم عن المؤسسة ورسالتها، وأؤكد أهمية الحفاظ على ديمومتها وتطويرها، فإنني أعرف تماما ما أقول. فأنا لا أتحدث من موقع المسؤول السابق فحسب، بل من واقع تجربة عشتها بنفسي؛ تجربة بدأت بمعاناة أب لم يجد الحماية التي يستحقها، وانتهت بي إلى التقاعد بكرامة وأمان بفضل هذه المؤسسة.
في عيد الضمان الاجتماعي الثامن والأربعين، أستذكر والدي، رحمه الله، وأستذكر معه كل عامل أفنى عمره في العمل الشاق، ولم يجد في شيخوخته ما يسنده ويحفظ كرامته. وأحمد الله على نعمة الضمان التي لمست أثرها في حياتي، وأتمنى أن تبقى هذه المؤسسة حصنا آمنا للعامل الأردني وأسرته، وأن تظل قادرة على أداء رسالتها للأجيال القادمة.
فالضمان الاجتماعي ليس مجرد اقتطاع من الراتب، ولا راتبا تقاعديا ينتظره الإنسان في آخر العمرفقط ؛ بل هو حماية للعامل، وأمان للأسرة، وسند للإنسان حين تتوقف قدرته على العمل.
هذه ليست مجرد حكاية موظف سابق في مؤسسة الضمان الاجتماعي، بل حكاية ابن رأى معاناة أبيه، وعاش بنفسه أثر الضمان في حياته، وعرف الفرق بين أن يواجه الإنسان شيخوخته بلا حماية، وأن يصل إليها بكرامة وأمان.
رحم الله أبي وأمي، وحفظ الله مؤسسة الضمان الاجتماعي، لتبقى سندا لكل عامل، وأمانا لكل أسرة، وكرامة لكل إنسان
حفظ الله الوطن وقائد الوطن جلالة الملك عبدالله بن الحسين وولي عهده الامير الحسين بن عبدالله .

























































