اخبار سوريا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
مطالب بتحرك عاجل بين دمشق وعمّان لوأد فتنة يبدو أن هناك من يتعمد تأجيجها
بقلوب منكسرة وخطوات مثقلة بالوجع، رفع أهالي درعا جثامين السوريين، من أبناء بلدات في ريف المحافظة الجنوبية، ممن سقطوا إثر غارات سلاح الجو الأردني، لنقلهم إلى مثواهم الأخير.
سبعة مدنيين بينهم ثلاثة أطفال، انطلق موكب تشييعهم من مستشفى الصنمين العسكري إلى بلدة الطف في منطقة اللجاة بريف درعا، ليواروا الثرى وسط دهشة واستياء شعبيين من الهجوم الأردني المفاجئ.
ليلة دامية، فلم تغمض درعا في جنوب سوريا عيونها المتعبة جراء الغارات الأردنية التي استهدفت مخابئ وصفتها عمّان بأنها خاصة بتنظيمات إرهابية، في عملية نوعية داخل الجنوب الشرقي من سوريا، في حين تحدث ناشطون وحقوقيون من أبناء المدينة عن أن هذا الهجوم يعد انتهاكاً غير مقبولاً بحق الجار السوري.
ويروي الناشط الحقوقي من درعا، ياسر الخطيب، خلال وجوده في مشفى الصنمين، أنه 'تابع وصول جثامين ضحايا القصف الأردني وشاهد جثث أطفال'، لافتاً إلى 'استياء عارم من استباحة الدم السوري بهذه الطريقة المستهجنة وفي عتمة الليل'.
ويقول الخطيب في حديث إلى 'اندبندنت عربية'، إن 'الملاحظ وجود احتقان لدى أبناء درعا، والموقف قابل للانفجار والتصعيد في حال تكرار مثل هذه الحوادث، إذ كان بالإمكان التنسيق مع الدولة السورية وتطويق هذه المواقع، واعتقال المطلوبين عبر عمليات خاصة'.
ويعتقد الناشط الحقوقي بأن الأمر يتطلب تحركاً عاجلاً لوأد الفتنة التي من الواضح أن هناك من يتعمد تأجيجها، مؤكداً أن الهجوم على كنيسة الكرك في الأردن، قابلها الشارع السوري، وتحديداً درعا، باستهجان شديد.
ومضى الخطيب قائلاً إن 'هناك مسيحيين يعيشون في درعا بسلام واستقرار، وتربطهم علاقات ودية وطيبة بين كل مكونات المجتمع، وخلال فترة الحرب السورية كان الجميع من الديانتين المسيحية والإسلامية يداً واحدة'، مرجحاً 'تسريب معلومات وإحداثيات خاطئة للجانب الأردني، بهدف إشعال فتنة'.
في المقابل، استدعت وزارة الخارجية والمغتربين سفير الأردن لدى سوريا سفيان القضاة، وسلمته مذكرة احتجاج على خلفية القصف الأردني الذي طال مواقع مدنية في محافظة درعا، وأسفر عن ارتقاء مدنيين بينهم أطفال وإصابة آخرين.
وأعيد افتتاح معبر نصيب الحدودي بين البلدين بعدما أعلنت 'الهيئة العامة للمنافذ والجمارك' السورية إغلاقه التام بالاتجاهين من وإلى سوريا والأردن، على خلفية العملية العسكرية الأردنية، وقالت في بيان إنه 'نظراً إلى الأوضاع الراهنة والتطورات الميدانية في درعا، فقد تقرر إغلاق منفذ نصيب الحدودي، ويشمل التعليق حركة المسافرين، وتعليق الحركة التجارية بصورة كاملة'، وقالت مصادر أن هذا الإغلاق تحاشياً لمنع حدوث أي صدام بين السائقين والمحتجين الغاضبين وليس له أي أسباب سياسية.
إلى ذلك، توصل الجانبان إلى تشكيل لجنة مشتركة بين دمشق وعمّان بصفة عاجلة وميدانية، بهدف وضع حد لهذه الخروقات والتجاوزات الميدانية، ومنع تكرارها وضبط وتأمين الحدود المشتركة بين البلدين، وكذلك التنسيق الأمني والميداني التام.
ويجزم العميد الأردني السابق والمحاضر في الأمن الاستراتيجي عمر الرداد، في حديث خاص لـ 'اندبندنت عربية'، بوجود قاسم مشترك بين عمّان ودمشق يتمثل في الاتفاق على مكافحة الإرهاب وضرب تنظيم «داعش». ويعزو التباين بين الروايتين الأردنية والسورية إلى طبيعة التنسيق الأمني والاستخباراتي، الذي لا يشترط، بحسب تقديره، إطلاع جميع الأطراف على تفاصيله.
ويتابع قائلاً «بكل صراحة، يمكن الحديث عن وجود مراكز قوى داخل بنية الدولة السورية، وربما جرى التنسيق مع جهات عسكرية سورية كانت على علم بموعد الضربة، سواء قبلها بفترة طويلة أو قصيرة. لكن لا بد من أن تكون هذه الأوساط مطلعة».
وتشير الرواية الأردنية إلى تحييد أكثر من 20 قيادياً في تنظيم «داعش»، مؤكدة أن الضربات التي طاولت مدنيين لم تكن مقصودة. ويرجّح الرداد صحة الرواية الأردنية، مستنداً إلى تساؤل يتعلق بدوافع عمّان لقصف المدنيين أو تنفيذ ضربات عشوائية، لا سيما أن الأردن شكّل ملاذاً آمناً لسكان الجنوب السوري خلال الحرب، على غرار الدور الذي أدّته تركيا في شمال سوريا.
ويرى الرداد أنه لا يمكن إنكار هذه الحقيقة، مشيراً إلى أن نحو مليون سوري يعيشون بأمان في الأردن. ويعتبر أن الرواية التي تتحدث عن قصف عشوائي غير صحيحة، وأن الترويج لها تقف وراءه أهداف سياسية، قد يكون من بينها استهداف القيادة السورية الجديدة.
وحذّر وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح من 'أطراف مشبوهة'، وكتب عبر حسابه على منصة 'إكس'، 'لن تسمح حكمة القيادتين في البلدين الشقيقين لأحد بالمساس بالأخوة السورية الأردنية. هذا بعيد من أحلام الأطراف المشبوهة'.
وباشرت وزارة الداخلية السورية التحقيق بملابسات حادثة قصف القوات الأردنية مناطق في درعا، وقال المتحدث الرسمي باسم الوزارة، نور الدين بابا، 'في وقت تواصل وزارة الداخلية السورية جهودها في مكافحة الإرهاب، وملاحقة تجار المخدرات، ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، تبقى حماية المدنيين أولوية، ويظل التنسيق بين البلدين السبيل الأمثل لمعالجة التحديات الحدودية، من دون المساس بأرواح الأبرياء'.
في المقابل، أعلن وزير الاتصال الحكومي في الحكومة الأردنية، محمد المومني، إلحاق خسائر كبيرة بصفوف تنظيم 'داعش' قدّرت بنحو 20 عنصراً، وتدمير مستودع أسلحة ضخم.
وفي معرض تعليقه على سقوط مدنيين في العملية، قال المومني إن حكومته تولي حياة المدنيين الأبرياء، خارج حدود بلاده، الأهمية ذاتها التي توليها لحياة الأردنيين، وتتخذ الاحتياطات اللازمة لتجنب الإضرار بهم، مؤكداً امتناع المملكة عن 'استهداف مواقع أفادت المعلومات بوجود مدنيين فيها'، ومعرباً عن أسفه لسقوط ضحايا مدنيين.
وكان الجيش الأردني أكد تنفيذ قواته غارات استهدفت تنظيمات إرهابية، بحسب وصفه، كرد على هجوم التنظيم على كنيسة في محافظة الكرك، جنوب الأردن، وأطلق على العملية اسم (الردع الأردني ـ حمود) نسبة إلى القرية التي وقع فيها الهجوم الإرهابي على الكنيسة.
وعن مسألة الغضب الشعبي السوري الذي رافق الضربات التي أصابت مدنيين، يجيب الرداد عن هذه التساؤلات بالقول إنها تندرج ضمن حملات تحريض مرتبطة بمواقع ومنصات محددة، يروّج لها إعلاميون معروفون يتبنون هذه الروايات. ويضيف: «الحقيقة التي لا بد من التوقف عندها أن المعارضين للحكومة السورية الجديدة، أو المؤيدين للنظام السابق والفلول، يتبنون رواية القصف العشوائي للمدنيين. وللأسف، جرى الأخذ بهذه الرواية على نطاق واسع تحت وطأة العاطفة. وليس مستبعداً وجود منصات تستهدف عمّان ودمشق، ولا يروق لها مستوى العلاقات الطيبة بين البلدين».
وفي المقابل، يرد الباحث الأردني في الشؤون الأمنية، الرداد، على تساؤلاتنا بشأن عودة الضربات مجدداً في الجنوب السوري، بالقول إن الأمر يرتبط بحجم التهديد الذي قد تشكّله الفصائل الموجودة في الجنوب للأردن. ويعتبر أن المملكة تعتمد استراتيجية ثابتة لمواجهة التهديدات على مستويين، الأول يتعلق بتهريب الأسلحة والمخدرات، ولا سيما في مناطق السويداء، وهو ملف لا تقبل عمّان المساومة عليه، وتعتبره خطاً أحمر، بحسب وصفه. أما المستوى الثاني، فيتعلق بمواجهة الإرهاب.
ويضيف: «إذا ثبت التخطيط لعمليات من جانب تنظيم 'داعش' أو فصائل وشبكات جهادية وسلفية، أعتقد أن الأردن سيعاود ضربها بالتنسيق مع القيادة السورية، إذ تقع على دمشق مسؤولية مكافحة هذه الجماعات».
ولا يخفي الرداد حجم الفوضى الأمنية القائمة في الجنوب السوري، وتداخل أدوار أطراف عديدة فاعلة، ولا سيما إسرائيل. ويعتقد أن المستفيد من تصعيد التوتر بين سوريا والأردن والمبالغة في تصويره هما تل أبيب والموالون للنظام السابق والفلول.
ويتابع «بعيداً من الخطابات العاطفية، لا تريد هذه الأطراف للعلاقة المتجذرة والاستراتيجية بين البلدين، على المستويين الأمني والعسكري، أن تستمر. وفي كل الأحوال، تمتلك القيادتان السورية والأردنية القدرة والحكمة اللازمتين لاحتواء هذه الحادثة، وأرى أن المؤشرات إلى ذلك واضحة من خلال البيانات الرسمية الصادرة عن الجانبين».
ويرجّح الرداد أن يستغرق طيّ هذا الملف أياماً قليلة، معتبراً أن هذه العملية وما رافقها من ضجة قد تؤسسان لقواعد جديدة وأكثر متانة للتنسيق الأمني بين البلدين، على الرغم من حملات التحريض التي ترافق الحادثة.
وتتناقل وسائل إعلام رواية عما وصفته بمصدر، لم تكشف عن وظيفته أو طبيعة عمله، أكد فيها أن خيمة الضحايا المدنيين الذين قضوا في الغارة الأردنية لم تكن هدفاً لسلاح الجو الأردني، وأنه تجنّب كثيراً من المواقع التي كان استهدافها سيؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين.
وجاء في حديث المصدر المطلع على العملية 'أن المدنيين الذين يقطنون الخيمة قرب الموقع المستهدف، الذي يختبئ فيه عنصر من تنظيم داعش داخل مبنى أسمنتي، أدت الغارة إلى قتله'، وتسببت قوة الموجة الارتدادية للضربة بمقتل من كان في الخيمة.




































































