اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ١٨ أب ٢٠٢٦
ربما قد تفسّر الأعباء والتحديات التي يواجهها النظام السياسي الانتقالي الجديد في سوريا، على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيرته وتردّده في توضيح سياساته الداخلية والخارجية، وضمنها سياسته إزاء الفلسطينيين، بيد أن هذا الأمر يضع الفلسطينيين، الذين شاركوا السوريين مأساتهم، في حال من القلق والترقب، علماً أنهم شركاء للسوريين في المصير، وفي الألم والأمل، ما يعني أن إنصافهم يستحق سياسة واضحة ومطمئنة.
لم توجد مسألة فلسطينية في سوريا، تتعلق باللاجئين الفلسطينيين المقيمين فيها، منذ مجيء عشرات الألوف منهم إليها، عقب النكبة (1948)، على النحو الذي وُجدت فيه في لبنان، مثلاً، بحكم تكوينه التاريخي، وتركيبته الطائفية الخاصة، وضعف استقراره السياسي والاجتماعي.
لكن بعد ظهور الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ظهر أن ثمة مسألة سورية عند الفلسطينيين عموماً، أي في سوريا وخارجها، نشأت بدفع من سياسات نظام الأسد (الأب والابن، 1970 ـ 2024)، في محاولته استخدام قضيتهم، كورقة للاستحواذ على الشرعية، وتغطية سياساته الداخلية إزاء شعبه، المتعلقة بفرض السلطة الأمنية، ومصادرة الحقوق والحريات، والهيمنة على موارد البلد، وتعزيز المكانة الإقليمية، من ضمنها ابتزاز الدول العربية والمزايدة عليها، فضلاً عن استخدام قضية فلسطين كورقة مساومة، لصالح سياساته، في المعادلات السياسية الدولية والإقليمية.
هكذا بقي مجتمع الفلسطينيين اللاجئين في سوريا، داخل المخيمات وخارجها، طوال قرابة ثمانية عقود، عند حدود القانون 260 (لعام 1956)، القاضي بمنحهم حقوقاً مدنية، باستثناء الحق السياسي المتعلق بالانتخاب والترشيح. وعلى رغم بعض الثغرات او النواقص والاجحافات، المتضمنة في ذلك القانون، إلا أن نظام الأسد، لا سيما في عهد الابن، ظل يقضم في حيثياته، بخاصة بما يتعلق بمسألة الملكية والتوظيف والقيود المدنية.
من هم فلسطينيو سوريا بعد ثمانية عقود؟
على ذلك، فإن السؤال عن مكانة فلسطينيي سوريا، اليوم، هو وليد المرحلة السابقة، علماً أنه يُطرح بعد قرابة 80 عاماً على النكبة، وهو وقت طويل جداً، عدا عن أن إبقاء اللاجئين عند حيز قانون ضيق، يتعلق بالسماح لهم بالإقامة، وبعض الحقوق المدنية، يخالف منطق، أو فلسفة، 'الإعلان العالمي لحقوق الإنسان' (1948)، الذي ينص على حق أي انسان بالحصول على جنسية، أو مواطنة دولة، من دون أن يلغي، أو ينهي، ذلك حقه، بمواطنته الأصلية، كما ينص على المساواة بين البشر، بغض النظر عن أي أمر كان.
أيضاً، يكشف هذا السؤال خواء الادعاءات التي تبناها النظام 'القومي'، وتالياً نظام 'المقاومة والممانعة'، إذ لا يمكن فهم واقع أن الفلسطيني، وهو عربي، غريب في وطنه العربي، ولا سيما في سوريا، وذلك بحسب المنظومة 'الأيديولوجية'، أو الادعائية للنظام، إلا على طريقة فهمنا المخاتلة التي قام بها ذلك النظام، أو غيره، برفعه شعارات وممارسة نقيضها، كمثل ادعاء احتضان قضية فلسطين ومرمطة شعبها، وكمثل مصير الادعاءات الأخرى المتعلقة بالوحدة والحرية والاشتراكية، التي آلت بالممارسة إلى عكسها تماماً، بدليل الخراب الحاصل في سوريا في ظل ذلك النظام البائد.
واقع فلسطينيي سوريا اليوم
في سوريا، اليوم، أي بعد انهيار نظام الأسد، وقيام الدولة السورية الجديدة، تجدر ملاحظة وضعية الفلسطينيين في الجوانب المهمة الآتية:
أولاً: لا يشكل الفلسطينيون كتلة كبيرة في المجتمع السوري، وفي معادلاته الداخلية، إذ كانت نسبتهم لا تزيد عن 3 بالمئة من عدد السكان، يقطنون في 12 مخيماً، قبل العام 2011. أما بعد اندلاع الثورة السورية، فقد انخفض عددهم بمقدار 40 ـ 50 بالمئة، لا سيما مع مغادرة كتلة كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين سوريا، في لجوء ثان، مع النكبة السورية، إسوة بملايين السوريين الذين باتوا لاجئين في دول أخرى.
ويمكن أن نذكّر هنا بدمار مخيمات عدة، ولا سيما مخيم اليرموك (قرب دمشق)، الذي كان يعد بمثابة عاصمة للاجئين الفلسطينيين، وأهم تجمّع لكفاءاتهم المدنية، عدا عن أنه كان بمثابة أهم مركز للحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج، بعد اجتياح لبنان (1982).
ثانياً: طوال وجودهم، سلّم الفلسطينيون بمكانتهم في سوريا كلاجئين، وككتلة اجتماعية خارج المواطنة من الناحية القانونية، لذا لم يظهر في تاريخهم أي حركة سياسية أو مدنية تطالب بغير الحقوق المدنية، وضمنها حق التملك والمساواة في التوظيف بحسب الكفاءة.
ثالثاً: لم ينخرط الفلسطينيون في الأحزاب السياسية السورية، وظلّوا على هامشها، باستثناء حالات فردية، طبعاً، فضلاً عن وجود فلسطينيين في الحزب الحاكم، 'البعث'. ويبدو أن انخراط غالبيتهم كان بدواعٍ براغماتية، لغرض التوظيف والحصول على مكانة أو امتيازات معينة.
رابعاً: ثمة شعور بالفراغ يتنامى عند فلسطينيي سوريا (ولبنان أيضاً)، في ظل غياب مرجعية وطنية لهم، بخاصّة مع تهميش منظمة التحرير، وحال الانقسام في حركتهم الوطنية، وهو وضع ينمّي عندهم سلوكيات انكفائية، إزاء التعاطي مع أي حراكات سياسية في البلد.
خامساً: لعب انقسام القوى السياسية الفلسطينية حول ما حدث في سوريا، دوراً في زيادة حذر الفلسطينيين، وإصرارهم على النأي بالنفس والتمسّك بتجنيب المخيمات تداعيات الصراع في سوريا، من دون أن ينجحوا بذلك بسبب سياسات النظام، وبعض الفصائل الموالية له.
ما تقدم يؤكد محدودية دور، أو تأثير، اللاجئين الفلسطينيين في سوريا في الأحداث، وفي الحياة السياسية، على رغم من أن دورهم في تمدين سوريا ربما أكبر من نسبتهم العدّدية.
التغيير السوري ومجتمع اللاجئين الفلسطينيين
الآن، ربما قد تفسّر الأعباء والتحديات التي يواجهها النظام السياسي الانتقالي الجديد في سوريا، على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيرته وتردّده في توضيح سياساته الداخلية والخارجية، وضمنها سياسته إزاء الفلسطينيين، بيد أن هذا الأمر يضع الفلسطينيين، الذين شاركوا السوريين مأساتهم، في حال من القلق والترقب، علماً أنهم شركاء للسوريين في المصير، وفي الألم والأمل، ما يعني أن إنصافهم يستحق سياسة واضحة ومطمئنة.
بيد أن ذلك لا يعني عدم وجود توجّهات سلبية قياساً إلى المرحلة السابقة، باستثناء بعض التوجّهات التي اعتُبرت عفوية وتم التراجع عنها، مثل إغفال مسألة السوريين ومن في حكمهم، أي الفلسطينيين، في بعض التعاميم، ولا سيما تلك المتعلقة بمكانة الفلسطيني السوري وحقوقه في العمل والتعليم والتملّك.




































































