اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
الفاجعة الوطنية التي حلت بكل بيت اردني على اثر حادثة قرية حمود الدامية في الكرك، والتي أودت بأرواح مواطنين أردنيين أبرياء، وامنين في مكان العبادة الخاص بهم، واسفرت عن مشاهد مؤلمة روعت الوجدان الأردني، واثكلت المجتمع بكافة شرائحه من مسلمين ومسيحيين هي بلا شك تفتح الباب واسعا امام تحديات الفكر الظلامي التكفيري، وبقاياه النائمة على الأرض الأردنية، وما يمكن ان يشكله من مخاطر مجددا على الامن الوطني الأردني حتى بعد انهيار مراكزه التي تكونت في المنطقة العربية في السنوات الأخيرة بعد فقدان عدد من الدول العربية استقرارها وامنها الوطني.
وهو خطر يبقى متربصاً بأمن مجتمعنا ، وعلى الحكومات الأردنية ان تعد الخطة القابلة للتنفيذ لمواجهته، وتشمل كافة ابعادة الأمنية والاجتماعية والثقافية، وعلينا ان ننتصر في معركة الوعي كي لا نجد أنفسنا تحت تهديده المباشر مرة أخرى، وذلك في ظل عدم التمكن من حسم المعركة معه الى هذه اللحظة، وقد اصابنا في مقتل في اكثر من حادثة ، وازهق أرواح أردنيين ابرياء.
وهذا الخطر الداهم لا ينفصل في مدى تأثيره على حياتنا العامة عن ضرره البالغ على صورة الاسلام التاريخية ، وهو الدين الإنساني العظيم الذي كان أنجز بناء المجتمع المدني عندما غرقت الأمم والشعوب في وحشيتها.
وهو الامر الذي يجب ان يدفع بالوزارات المعنية لمواجهة مخاطر هذا الفكر الظلامي المتسلل الى البعض من أبنائنا، وادراك حقيقة مخاطره على حياتنا العامة، وعلى مستقبل اجيالنا القادمة .
ولا بد من تفريغ جهات رسمية ذات مرجعيات فكرية وثقافية كي تتصدى لتعرية اساسيات دعوى الفكر التكفيري، ومنطلقاتها الفكرية، ولإيقاظ حس المسؤولية العامة في الدولة الاردنية، ولكي تقوم كافة الشرائح الاجتماعية بدورها إزاء فضحها، ولترسيخ أهمية حماية الشأن العام من براثن هذه الدعوى الهدامة التي سبق وان اجتاحت المنطقة العربية بدمويتها وبدائيتها المفرطة، وقد رأينا كيف ابتدعت من الوسائل الوحشية في القتل والإرهاب والتخريب ما تتقزز منه النفوس البشرية ، ويخالف ابسط قواعد العدالة، والقيم العليا المستمدة من الدين الإسلامي الحنيف، ومنظومته الأخلاقية.
ومكمن خطورة هذا الفكر الضال انه يذهب الى حد تكفير المجتمعات العربية بالمطلق بدعوى استبدال الحكم الإسلامي بغيره في واقعنا المعاصر، وهو يحكم بالتكفير على كافة إشكال الدول القائمة في المنطقة العربية والإسلامية على اعتبار انها جاءت كمحاكاة للتجربة الغربية التي أنتجت شكل الدولة الحديثة.
وحيث عدت هذه الدعوة نظام الحكم طاغوتا يعمل على تغييب شكل وإطار الدولة الإسلامية، ومؤداه استبعاد الأحكام الإسلامية، وهي تعتبر - اي الدعوة التكفيرية - هذه الإشكال القائمة من الدول، وكأنها جاءت لإقصاء الحكم الإسلامي، وهي لا تعتقد بإسلامية الدول العربية، ولا بإسلامية سلطاتها السياسية، وتنفي الاسلام بالجملة عن الشعوب القابلة بها، وهي عمليا تكفر الديمقراطية، وتعتبرها الإحلال والبديل لدولة الإسلام.
وبذلك لم تعد أركان الإسلام - بنظر التكفيريين - كافية ليكون المسلم مسلما ما لم يهجر هذه الدول والمجتمعات، ، و يهاجر الى بلاد الاسلام، ويبايع اميرها ، وهي التي تقام في اية بقعة يسقط فيها الحكم المركزي، وتتحقق فيها جماعة الاسلام وفق تصوراتهم البدائية.
وبذلك لم يعد العالم الاسلامي الحالي الموزع على الدول المعروفة، وهو الذي تشهد الشعوب فيه بالوحدانية، ويؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ويقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة ويحجون يمثلون الجماعة الاسلامية، وانما تطالهم فتوى التكفير من عدة جهات فهم ان كانوا اعضاء في السلطة التنفيذية فهم يكفرون بالتبعية لرئيس الدولة ، ويشمل التكفير كافة موظفي السلطة التنفيذية حتى ليطال ائمة المساجد التابعين للأوقاف في الدول الإسلامية.
واتباع الدعوة التكفيرية تصل بهم الغلواء الى مقاطعة مساجد المجتمعات التي يكفرونها، ويعتبرونها مساجد 'ضرار'، ومن هذا الباب تأتي تفجيرات المساجد التي درجت عليها بعض الجماعات المتطرفة.
والسلطة القضائية تكفر بعموم قضاتها الذين يحكمون بنصوص قضائية مدنية لا تستمد من الاحكام الاسلامية - وفقا لهم -، ويكفر المحامون الذين ايضا يطالبون بتنفيذ نص المادة كذا... من قانون كذا... بما في ذلك محامي الجماعات الإسلامية المعروفة.
وبدورها تكفر السلطة التشريعية بأعيانها ونوابها لأنهم وفقا للدعوة التكفيرية يشرعون في مكان الله، وحتى الجماعات الإسلامية التي تشارك في الانتخابات النيابية فتكفر بنظر اتباع هذه الدعوة.
ويشمل حكم التكفير الشعوب الإسلامية التي تذهب الى صناديق الاقتراع، وتتولد من خلال اصواتها السلطة التشريعية باعتبار ذلك مؤديا الى استبعاد حكم الله، ومن هنا اعتبرت المجتمعات كافرة.
وتسقط بعرف هذه الجماعات اعتبارات المسلم، وحرز دمه، وماله وعرضه، ويصبح أبناء هذه المجتمعات بمثابة كفار يحل قتلهم، ومن يقضون في العمليات التفجيرية فهم ليسوا بمسلمين، واموالهم عدت غنائم ايضا.
وهذا اخطر ما تضمنته هذه الدعوة التي رفعت الغطاء الإسلامي، وحتى الإنساني عن المجتمعات المسلمة ، وتمت معاملتها معاملة الكفار، وهذا ما ظهر جليا في سلوك الجماعات المتطرفة المتشكلة وفقا لهذه الدعوة حيث النسبة الغالبة من ضحاياها من المسلمين.
وكان من اخطر عوامل تطور اليات عمل هذه الجماعات أن دخل منظروها إلى السجون، واختلطوا بسجناء القضايا الجرمية، وتمكنوا من التأثير فيهم، وجذبهم اليها، وجرى إعطاء هذه النوعية الخطرة من السجناء رخصة بالقتل الحلال، والاغتصاب الحلال ، والسرقة الحلال ، وبعضهم هاجم البنوك بدعوى انها أموال الكفار، وتعتبر غنائم .
وهذه الدعوة استقطبت كبار المجرمين وخرطتهم على شكل أعضاء فيها وكونوا المليشيات المسلحة التابعة لها، وكان أبرزها ما سمي بتنظيم داعش الارهابي.
وقد تكون السجون هي التي أمدت هذه الجماعات بأقسى أتباعها، هذا فضلا عن سوء السياسات التي اتبعتها غالبية حكومات الدول الإسلامية، والتي فشلت في مجال التنمية، والمشاركة السياسية فولدت عوامل اليأس والإحباط والقنوط في الأجيال العربية.
وان معضلة هذه التنظيمات المتشكلة وفقا لتلك النظرة المقحمة في اطار الفكر الاسلامي انها تخلو من وجود مرجعيات فكرية إسلامية معتبرة توجهها ، ولكون اتباعها لا يستمدون الرؤية الاسلامية من مصادرها الموثوقة، ولا تخرجهم المعاهد والكليات الاسلامية .
وهم يقدمون الطاعة العمياء لمنظريهم، ويصبحون ادوات خطرة ضد المجتمع، وهم لا يتوانون عن انفاذ توجيهات، وتعاليم منظريهم مهما بلغت في خطورتها.
وقد قدموا بعض تعاليمهم ، وفتاوى معينة على كافة تطبيقات التاريخ الإسلامي، وهم يعكفون على بعض الكتب الإسلامية، ويفسرونها على اهوائهم، ويفضون الى الانعزال اجتماعيا وانسانيا.
وهم باسم الاسلام يعملون على نسف القواعد الكلية للإسلام، والذي جاء لحفظ النفس، والعقل والروح والجسد، واتاح حرية الاختيار والتدين ، وترك منظومة قيمية قلما تتجلى في حياة امة من الأمم.
وهذه الجماعات المغيبة لعقول اتباعها اصبحت دون وعي منها ، او بتدبير قياداتها توظف في غايات واهداف اللاعبين الدوليين لتحوير الصراع في المنطقة العربية من صراع عربي صهيوني بسبب الاحتلال الإسرائيلي الى صراع (اسلامي- اسلامي ' اي سني – شيعي' )، وايجاد الظرف الموضوعي لاعادة تقسيم الدول العربية على اساس طائفي، وانخرطت هذه الجماعات بمخطط تدمير القدرات العسكرية لبعض الدول العربية، وبما كان يحسم ميزان القوى لصالح إسرائيل.
وكذلك عمدت على استحضار شكل بدائي للدولة تحت مسمى الدولة الاسلامية لاسقاط حلم الخلافة الاسلامية من خلال طرحها بطريقة بدائية تفضي الى نفور الناس، والمسلمين منها.
وكذلك وضع الاقليات في المنطقة العربية في دائرة الاستهداف المستمر لجعلها صاعق الانفجار لوحدة هذه المجتمعات ولاعادة النفوذ الدولي اليها تحت عنوان حماية الأقليات، ولعل ما وقع في حق اليزيدين في العراق خير مثال على ذلك.
وعلى ضوء التجربة الواقعية لمسيرة هذه الجماعات المتطرفة ومخاطرها في المجتمعات العربية فلا بد في الاردن من تحصين الجبهة الداخلية من خلال احداث التنمية لصالح جيل الشباب ، ولكي يصبح المستقبل امامهم، وكي يكون الوطن قابلا لتحقيق أحلام وطموحات أبنائه في الحياة الكريمة، وخاصة في المناطق التي تجاوزتها حظوظ التنمية، وصارت تمثل خاصرة الدولة الضعيفة.
ومن الأهمية بمكان ان يتم الانتباه الى احوال السجون، ومنع اية اجراءات او قيود قد تمس بإنسانية السجين، وكذلك ابعاد السجناء العاديين عن التأثر بهذه الدعوة التي تستغل ظروف السجين وعذاباته في الاستقطابات اليها .
ولا بد من ايلاء الاهتمام الكافي بالمساجد، وخاصة في القرى، وامدادها بالكوادر المؤهلة، وجعل خطبة الجمعة محصورة في الاكثر علما في العلم الشرعي.
وهذا يقتضي ان يكون وزير الأوقاف مرجعية في الفكر الإسلامي، ولديه تصور واضح لعمل وزارته في مواجهة هذا الفكر الضال، والذي يحتاج لتفنيد اساسياته الفكرية المزعومة .
وعلى ذلك فيجب التأكد من مدى موائمة المواد المبثوثة عبر وسائل الاعلام الرسمية مع منظومتنا القيمية والاخلاقية لكي نحافظ على التوازن الاجتماعي المطلوب.
والاهم من كل ذلك ان يصار الى إطلاق العملية الديموقراطية التي تتيح مشاركة الجميع، وكي تكون التعددية معبرة عن كافة الميول والاتجاهات السياسية السلمية في الحياة العامة، وهي التي باتت ضرورة وطنية ملحة لسد الفراغ.

























































