اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢٩ كانون الأول ٢٠٢٥
بعد أكثر من ستّ سنوات على اندلاع نيران الأزمة المالية والاقتصادية والمصرفية في لبنان، والتي تسبّبت بكوارث فعلية على مستويات عديدة، لا يزال المجتمع اللبناني بأسره يعاني من آثارها السلبية المتراكمة، وخاصة ضياع أموال الناس وودائعهم في البنوك والمُقدّرة عند انكشاف الانهيار في تشرين الأول 2019 بنحو 187 مليار دولار، منها نحو 60 ملياراً كانت مودَعة بالليرة اللبنانية والباقي بالعملات الأجنبية…
بعد كلّ هذه المدة وما تخلّلها من أحداث صعبة وقاسية زادت من حدة الأزمة، خرجت الحكومة على اللبنانيين بالأمس بمشروع قانون قيل إنه يهدف إلى ردم الفجوة المالية وإعادة الانتظام المالي، واضعة المسألة كلها في حضن المجلس النيابي، علماً أنّ هذا المجلس بكلّ أعضائه الموالين والمعارضين دخل في مدار الانتخابات النيابية المقرّرة في شهر أيار المقبل، وبالتالي من الصعب أن يسير النواب بمشروع قانون يضرّ بمصالح الغالبية الشعبية في كلّ المناطق والطوائف والمذاهب.
الإيجابية الوحيدة لمشروع القانون هي أنّ الأزمة المالية والمصرفية وُضعت على طاولة النقاش من جديد بعدما كانت منسية لأكثر من خمس سنوات، أيّ منذ أقرّت حكومة الرئيس البروفسور حسان دياب في نيسان 2020 خطة التعافي المالي والاقتصادي التي تتميّز عن المشروع الأخير بالكثير من النقاط، ورغم ذلك لم تقرّها آنذلك لجنة المال والموازنة النيابية التي كانت غالبية أعضائها تقف في صفّ “اللوبي المصرفي”، وهذه الغالبية لا تزال موجودة إلى اليوم، ولذلك ليس من المتوقع أن تقرّ اللجنة المشروع الحالي، خاصة أنّ جمعية المصارف أعلنت عدم قبولها به.
وقد كان واضحاً من خلال التصويت على المشروع في مجلس الوزراء كيف سيكون الأمر في مجلس النواب، إذ انّ الوزراء الذين عارضوا المشروع هم الذين يمثلون الكتل النيابية الكبرى، يُضاف إليهم الكتل والنواب المعارضين الغير ممثلين في الحكومة مما يجعل “الفجوة المالية” تواجه “فجوة برلمانية” من الصعب جداً تجاوزها.
وفي تشريح مشروع القانون فإنه بصيغته المطروحة، يشكّل خطراً حقيقياً على حقوق المودعين، إذ يكرّس شطباً مقنّعاً للودائع ويشرّع الأمر الواقع الذي فُرض منذ عام 2019 دون أيّ محاسبة فعلية للمسؤولين عن الانهيار. كما أنه يضرب مبدأ قدسية الملكية الخاصة ويعمّق فقدان الثقة بالقطاع المصرفي والدولة.
إنّ أيّ قانون مالي عادل يجب أن يأتي ضمن خطة تعافٍ شاملة، تقوم على توزيع منصف للخسائر، وحماية صغار المودعين، واسترداد الأموال المنهوبة، لا تحميل المواطنين وحدهم كلفة السياسات الخاطئة. بدون ذلك، يتحوّل القانون من أداة إنقاذ إلى أداة تكريس للظلم.
والملاحَظ من خلال ردود الفعل على المشروع أنّ هناك معارضة تامة له من قبل المودعين وجمعياتهم ومعهم النقابات والكثير من أصحاب الخبرة والرأي في هذا البلد، وهناك اتفاق شبه تامّ بين المعارضين على أنّ المشروع يحمل مجموعة مساوئ ومخاطر حقيقية إذا أُقِرّ بصيغته غير المتوازنة، وأبرز هذه المساوئ:
1 ـ شطب مقنّع للودائع،
ـ قد يكرّس “الهيركات” بشكل غير مباشر، عبر تقسيط طويل أو تحويل الودائع إلى أدوات مالية منخفضة القيمة.
ـ تحميل المودعين الجزء الأكبر من الخسائر بدل توزيعها بعدالة بين الدولة، ومصرف لبنان، والمصارف.
2 ـ ضرب مبدأ قدسية الملكية الخاصة،
ـ الودائع حق مكتسب، وأيّ مساس بها دون حكم قضائي فردي يُعدّ سابقة خطيرة قانونياً ودستورياً.
فتح باب الطعن الداخلي والدولي ضدّ الدولة اللبنانية.
3 ـ غياب المحاسبة الفعلية،
ـ غالباً ما يتجاهل القانون المساءلة الجنائية والإدارية للمسؤولين عن الانهيار.
ـ حماية غير مباشرة لإدارات مصرفية وسياسات عامة خاطئة.
4 ـ تعميق فقدان الثقة بالقطاع المصرفي،
ـ إقرار القانون دون ضمانات واضحة قد يُنهي ما تبقى من ثقة اللبنانيين والمغتربين بالمصارف.
ـ عرقلة عودة التحويلات والاستثمارات، وإطالة أمد الانكماش.
5 ـ ظلم صغار ومتوسطي المودعين،
ـ غياب معايير عادلة للتفريق بين المودع الصغير والكبير أو بين الودائع المشروعة وغير المشروعة.
ـ تذويب القدرة الشرائية للودائع عبر الزمن.
6 ـ تشريع الأمر الواقع بدل تصحيحه،
ـ تكريس قيود السحب والتحويل التي فُرضت بشكل غير قانوني منذ 2019.
ـ تحويل الاستثناء إلى قاعدة دائمة.
7 ـ مخاطر اجتماعية وسياسية،
ـ زيادة الاحتقان الاجتماعي والشعور بالغبن.
ـ تهديد الاستقرار الاجتماعي نتيجة إحساس واسع بالظلم وانعدام العدالة.
خلاصة…
القانون ليس مشكلة بحدّ ذاته، بل تكمن الخطورة في توقيته، وصيغته، وغياب خطة تعافٍ شاملة وعادلة، وعدم وضوح مصادر استرداد الودائع…
وأيّ قانون للانتظام المالي يجب أن يكون آخر خطوة، لا أوّل خطوة، وأن يُبنى على: محاسبة فعلية، توزيع عادل للخسائر، حماية صغار المودعين، استعادة الثقة لا دفنها.
ختاماً… هناك من قال إنّ هذا المسار «ضرورة»، وإنّ العالم كلّه مرّ بتجارب مشابهة. لكنهم تجاهلوا كيف خرجت آيسلندا بمحاسبة المصارف لا بمكافأتها، وكيف واجهت اليونان أزمتها بتوزيع عادل للأعباء، وكيف فرضت قبرص اقتطاعات ضمن قواعد واضحة وضمانات وتعويضات. في لبنان، اختير الطريق الأسهل: شطب جزء كبير من الودائع، عدم محاسبة أحد لا في المصارف ولا في مصرف لبنان ولا في الدولة، ومحاولة إرضاء صندوق النقد، وتسليم المودعين فاتورة الفشل…











































































