اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
خاص الهديل….
كهرمان…..
ثلاثة أيام هي المهلة الممنوحة لقيادة قوات سوريا الديمقراطية للتشاور، قبل الانتقال إلى مرحلة مفصلية قد تحدد شكل العلاقة المقبلة بينها وبين الدولة السورية، في لحظة سياسية وأمنية دقيقة لا تحتمل كثيراً من المناورة.
هذه المهلة القصيرة لا تبدو تفصيلاً إجرائياً بقدر ما هي اختبار حقيقي لإمكانية الانتقال من منطق السلاح إلى منطق السياسة، ومن واقع الأمر الواقع إلى صيغة دولة واحدة بإدارة مركزية وشراكة مُعلنة.
بيان رئاسة الجمهورية جاء هذه المرة بلغة مختلفة، أقرب إلى التفاهم المشروط بزمن، لا إلى الإملاء أو الحسم العسكري. فالحديث عن منح 'قسد' وقتاً للتشاور حول آلية دمج المناطق عملياً، يعكس إدراكاً رسمياً لتعقيد المشهد في محافظة الحسكة، وحساسية تركيبتها الاجتماعية والقومية، إضافة إلى ثقل السنوات الماضية بكل ما حملته من وقائع وسلطات متوازية.
اللافت في البيان هو ما تضمّنه من تطمينات مباشرة: عدم دخول القوات السورية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، والاكتفاء بالبقاء على أطرافهما، وعدم دخول القرى الكردية، مع حصر الوجود الأمني بقوات محلية من أبناء المنطقة. هذه النقاط، إن نُفذت فعلاً، تشير إلى محاولة تفكيك المخاوف التاريخية لدى السكان، وتقديم نموذج مختلف عن أنماط السيطرة السابقة.
كما أن إدراج تنفيذ المرسوم رقم 13 المتعلق بالحقوق اللغوية والثقافية وحقوق المواطنة للكرد، يضع الملف الكردي ضمن إطار قانوني مُعلن، لا في خانة الوعود السياسية المؤجلة. وهي خطوة تحمل دلالة رمزية وسياسية في آن، خاصة إذا ما قورنت بسنوات طويلة من الإنكار أو التجميد.
في المقابل، لا يمكن تجاهل حساسية البنود المتعلقة بدمج جميع القوات العسكرية والأمنية لـ'قسد' ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، إضافة إلى دمج المؤسسات المدنية ضمن هيكل الحكومة السورية. فهنا لا يدور النقاش حول ترتيبات إدارية فحسب، بل حول مستقبل السلاح والقرار والنفوذ، وهي قضايا لا تُحلّ بالبيانات وحدها، بل تحتاج إلى ضمانات وآليات واضحة.
ضمن هذا السياق، جاء كلام المبعوث الأميركي توم براك ليحمل رسالة أكثر وضوحاً مما يبدو على السطح. فحين يتحدث عن تراجع الدور الأساسي لـ'قسد' في مواجهة تنظيم داعش، ويؤكد أن دمشق باتت مستعدة لتولّي المسؤوليات الأمنية، فإنه عملياً يقول إن الدور الوظيفي الذي نشأت عليه 'قسد' قد انتهى، أو في حدّه الأدنى لم يعد يحظى بالدعم الدولي السابق.
تصريحات براك لم تكن توصيفاً محايداً، بل إعلاناً عن انتقال سياسي: لم تعد 'قسد' ضرورة عسكرية دولية، ولم يعد استمرارها كقوة مستقلة خياراً مفضلاً. وعندما يشدّد على أن 'أعظم فرصة للأكراد' تكمن اليوم في الاندماج ضمن الدولة السورية، فهو يضع القيادة الكردية أمام معادلة واضحة: الاندماج بضمانات سياسية، أو الخروج التدريجي من معادلة النفوذ.
الأكثر حساسية في كلام المبعوث الأميركي هو ربطه هذا التحول بملفات شديدة الخطورة، كملف معتقلات ومخيمات تنظيم داعش. فإسناد هذه المسؤوليات إلى دمشق يعني أن واشنطن باتت ترى في الدولة السورية الطرف القادر على إدارة هذا العبء، ما يسحب من 'قسد' إحدى أبرز أوراقها السياسية والأمنية.
بين بيان الرئاسة السورية وتصريحات براك، تقف محافظة الحسكة، ومعها كامل شمال شرق سوريا، على مفترق طرق حقيقي. أربعة أيام ليست مجرد مهلة تقنية، بل نافذة سياسية قد تفتح باب تسوية طويلة الأمد، أو تتحوّل إلى فرصة ضائعة تعيد إنتاج الانقسام بأدوات مختلفة.
فالنجاح لا يُقاس ببدء التنفيذ عند ساعة محددة، بل بقدرة الأطراف على تحويل التفاهم المكتوب إلى ثقة فعلية على الأرض. إما شراكة وطنية قائمة على الحقوق والضمانات، أو نهاية دور وبداية مرحلة أكثر غموضاً. والأيام الأربعة المقبلة كفيلة بكشف الاتجاه.











































































