اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢١ تموز ٢٠٢٦
كتب ناصر قنديل في البناء
خلال زيارة رئيس الجمهورية إلى واشنطن، جرى التوصل إلى طرح ثلاث قرى لبنانية تحت عنوان «المناطق التجريبية»، وقُدّم الطرح بوصفه أقصى ما أمكن تحقيقه في المسار التفاوضي عشية اللقاء المرتقب بين الرئيسين اللبناني والأميركي. ووفق الصيغة المتداولة، يدخل الجيش اللبناني هذه المناطق وينفذ فيها مهمات أمنية، ثم تخضع النتائج لتقويم لجنة ثلاثية تضم ممثلين عن لبنان والولايات المتحدة و”إسرائيل”، لتقرر نجاح التجربة أو فشلها.
غير أن القرى الثلاث ليست محتلة، وكان الجيش اللبناني منتشراً فيها أصلاً، وتولى منذ اتفاق وقف النار عام 2024 منع وجود أي سلاح فيها غير سلاح الدولة. ولذلك لا يتضمّن العرض انسحاباً إسرائيلياً منها أو تسليماً لها إلى الجيش، لأن “إسرائيل” لا تحتلها أساساً. الجديد هو أن الاحتلال يمنح الإذن للجيش اللبناني للسماح بممارسة مهماته في أرض لبنانية، وإخضاع أدائه لفحص تشترك “إسرائيل” في تحديد معاييره وإصدار الحكم بنتيجته.
وترتبط نتيجة التجربة لاحقاً بما تسمّيه الصيغة الإسرائيلية «إعادة انتشار» جيش الاحتلال، لا انسحابه. والفارق بين التعبيرين أساسي، فالانسحاب يعني إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي واستعادة لبنان سلطته الكاملة على أرضه، أما إعادة الانتشار فتعني نقل قوات الاحتلال أو تعديل مواقعها مع استمرار وجودها والاحتفاظ بما تدّعيه من مقتضيات وحقوق أمنية.
عند جمع عناصر الطرح، يظهر أن الجنوب يجري تقسيمه أمنياً إلى ثلاثة أنواع من المناطق، النوع الأول هو المنطقة المحتلة، حيث يبقى الجيش الإسرائيلي، ويُمنع السكان من العودة، وتحظر إعادة الإعمار. ولا تلتزم “إسرائيل” بموعد للانسحاب، بل تربط مجرد إعادة انتشار قواتها بنتيجة الاختبار الذي يخضع له الجيش اللبناني في المنطقة الثانية. وإذا صدر الحكم بفشل التجربة أو عدم اكتمالها، يستمر الاحتلال، ويبقى السكان خارج قراهم، وتتواصل عرقلة الإعمار. ولا يجعل هذا الشرط بقاء الاحتلال مشروعاً وفق القانون الدولي، لكنه يمنحه غطاءً تفاوضياً للاستمرار. فبدلاً من التعامل معه باعتباره وضعاً مخالفاً للقانون وواجب الإنهاء، يُراد تحويله إلى إجراء مؤقت مقبول سياسياً، يبقى قائماً إلى أن تستوفي الدولة اللبنانية الشروط التي يضعها الاحتلال نفسه.
النوع الثاني هو المنطقة التجريبية غير المحتلة. وفيها تمنح “إسرائيل” نفسها ثلاث صلاحيات لا تملكها: الإذن للجيش اللبناني بالدخول أو العمل، وتحديد المهمة المطلوب تنفيذها، والمشاركة في تقويم أهليته وقدرته على إنجازها، والمهمة هي نزع سلاح حزب الله، بما تحتويه من تحريض على الاقتتال. وهنا تظهر المفارقة المركزية في الطرح؛ فالجيش لا يجري اختباره في منطقة يتسلمها من الاحتلال، بل في قرى تقع أصلاً تحت سلطته وينتشر فيها. و”إسرائيل” لا تقدم للبنان أرضاً ولا تنفذ انسحاباً، بل تحصل على صلاحية جديدة خارج نطاق وجودها العسكري: حق تقويم ممارسة الجيش اللبناني للسيادة داخل أراضي دولته.
أما النوع الثالث، فهو منطقة يُطلب من الجيش اللبناني وضع خطة لنزع سلاح حزب الله فيها وتنفيذها. وفي المقابل، لا يحق للجيش المطالبة بإعادة انتشار قوات الاحتلال قبل إنجاز مهمته بصورة نهائية وقبول “إسرائيل” بأن المهمة نفذت. وهكذا يكون الالتزام اللبناني محدداً وفورياً وقابلاً للقياس، بينما يبقى الالتزام الإسرائيلي مؤجلاً، من دون مهلة ملزمة، ولا يتجاوز احتمال إعادة التموضع العسكري.
تقوم الصيغة كلها، إذاً، على ترابط محكم بين المناطق الثلاث؛ يبقى الاحتلال في المنطقة الأولى إلى ما بعد نجاح الجيش في اختبار المنطقة الثانية، ويُقاس نجاحه بقدرته على نزع السلاح في كل لبنان، حيث يُطلب منه تنفيذ خطة نزع السلاح في المنطقة الثالثة قبل أن يطالب بإعادة انتشار الاحتلال. وفي كل مرحلة تستطيع “إسرائيل” القول إن التنفيذ غير مكتمل، فتؤجل الانتقال إلى المرحلة التالية من دون أن تكون قد التزمت أصلاً بإنهاء احتلالها.
لا يوجد في القانون الدولي مفهوم يمنح دولة الاحتلال حق امتحان جيش دولة أخرى قبل السماح له بالعمل داخل أراضيها غير المحتلة. فالجيش اللبناني لا يحتاج إلى إذن إسرائيلي لدخول قرية لبنانية، ولا تستمد الدولة حقها في الأمن والإعمار وعودة مواطنيها من شهادة أهلية يصدرها الاحتلال.
تكشف المناطق الثلاث، عند وضعها جنباً إلى جنب، نظاماً أمنياً واحداً: في الأولى تمارس “إسرائيل” الاحتلال العسكري المباشر؛ وفي الثانية تمارس سلطة الإذن والاختبار؛ وفي الثالثة تفرض ترتيب الأولويات والشروط على الجيش اللبناني. وبذلك تمتدّ سلطتها من المواقع التي تحتلها إلى مناطق لا يوجد فيها جنودها، ثم إلى خطة الجيش ومهماته وحقه في طلب إعادة الانتشار.
قبيل اللقاء الرئاسي في واشنطن، لا تظهر «المناطق التجريبية» إنجازاً يضع الاحتلال على طريق الانتهاء، بل صيغة تنقل السيطرة الإسرائيلية من احتلال بعض الأرض إلى الوصاية على القرار الأمني اللبناني. صيغة أميركية تجريبية تسبق اللقاء بهدية مفخخة، أما عنوان الهدية المقدمة إلى لبنان، فلا يحتاج إلى كثير من البلاغة: أهلاً وسهلاً بكم تحت الوصاية الإسرائيلية؛ الاحتلال باقٍ، وإعادة انتشاره مشروطة، والجيش اللبناني يحتاج إلى شهادة أهلية من محتله.











































































