اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢ أيلول ٢٠٢٦
لم يعد التصعيد الأميركي تجاه إيران مجرد محاولة لانتزاع تنازلات في الملف النووي أو الحد من قدراتها العسكرية. فالمواجهة دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها الضغط على طهران لإعادة تعريف حدود قوتها ودورها الإقليمي، وربما مستقبل نظامها السياسي نفسه.
المشهد الإيراني يكشف هذا التحول بوضوح ،فطهران، رغم استمرار خطاب التحدي والرد العسكري، تبقي في الوقت نفسه باب التفاوض مفتوحاً، وتبدي استعداداً للعودة إلى التفاهم متى توافرت صيغة مناسبة. وهذا التناقض بين التصعيد في الخطاب والمرونة في التفاوض يعكس واقعاً جديداً إيران لا تزال قادرة على الرد، لكنها لم تعد تملك رفاهية الدخول في حرب استنزاف مفتوحة وطويلة.
فالضغط العسكري يترافق مع ضغط اقتصادي متزايد، فيما تتعرض مصادر التمويل الإيرانية لخنق متواصل. وكلما طال أمد المواجهة، ارتفعت كلفتها على الاقتصاد والدولة والنظام، وضاق هامش المناورة أمام القيادة الإيرانية.
لذلك فإن أي انصياع إيراني محتمل لا يعني بالضرورة استسلاماً كاملاً، بل قد يكون محاولة لشراء الوقت وحماية ما يمكن حمايته، وفي مقدمته بقاء النظام.
لكن الأخطر أن السؤال لم يعد فقط ماذا تريد واشنطن من إيران؟ بل بات أي إيران تريد واشنطن أن تخرج من هذه المواجهة؟
فخلال الفترة الماضية، عاد التلميح الأميركي والإسرائيلي إلى تغيير النظام إلى الواجهة، وهذا تطور جوهري، لأن الفرق كبير بين الضغط على نظام لتغيير سلوكه وبين الضغط عليه إلى حد إعادة تشكيله أو إسقاط بنيته السياسية، وإذا كان هذا التوجه قد انتقل فعلاً من مجرد التلميح إلى سياسة متكاملة، فإن الضربات العسكرية والعقوبات والضغط الاقتصادي ومحاولة إضعاف النظام من الداخل تصبح أجزاء من استراتيجية واحدة.
وفي هذا السياق، يبرز اسم رضا بهلوي كأحد أبرز وجوه المعارضة الإيرانية في الخارج. فظهوره المتزايد وطرحه نفسه كعنوان محتمل لمرحلة انتقالية يعكسان أن النقاش لم يعد محصوراً في كيفية إجبار الجمهورية الإسلامية على تقديم تنازلات، بل بدأ يتناول أيضاً شكل إيران في مرحلة ما بعد النظام الحالي. ولا يعني ذلك أن واشنطن حسمت خيارها لصالح بهلوي أو أن عودته إلى الحكم أصبحت أمراً واقعاً، لكن مجرد حضوره في النقاش الدولي حول مستقبل إيران يحمل دلالة سياسية مهمة.
ففي حال بقي النظام الحالي، سيكون عليه أن يدفع ثمناً كبيراً مقابل استمرار بقائه: قيود على برنامجه النووي، وضوابط على قدراته الصاروخية، وتقليص نفوذه الإقليمي، وربما إعادة ترتيب علاقاته مع القوى التي شكّلت لسنوات جزءاً من مشروعه في المنطقة. أما إذا فشل في الوصول إلى تسوية تحفظ بنيته الأساسية، فقد يصبح الضغط موجهاً أكثر فأكثر نحو الداخل الإيراني، حيث يمكن أن يتحول الاستنزاف الاقتصادي والعسكري إلى عامل سياسي يهدد تماسك النظام نفسه.
وهنا تكمن المعضلة الإيرانية. تستطيع طهران أن ترد وتؤلم خصومها، لكنها لا تستطيع تجاهل الفارق بين جولة عسكرية محدودة وحرب استنزاف مفتوحة. كما أن قدرتها على تحمل العقوبات والضغوط الاقتصادية ليست بلا حدود. لذلك قد تجد نفسها أمام خيار صعب: تقديم تنازلات مؤلمة للحفاظ على النظام، أو الاستمرار في المواجهة والمخاطرة بأن تتحول المعركة من صراع على النفوذ إلى صراع على بقاء النظام.
أما واشنطن، فيبدو أنها تراهن على رفع كلفة الرفض الإيراني إلى مستوى يجعل التسوية أقل كلفة من استمرار المواجهة. وفي المقابل، تحاول إسرائيل استثمار الضعف العسكري والاقتصادي لفتح الباب أمام تغيير أوسع داخل إيران. وبين المسارين، يصبح مستقبل النظام نفسه ورقة على الطاولة، حتى لو لم يُعلن ذلك بصورة رسمية.
لذلك فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي ستُطلق أو المنشآت التي ستُستهدف، بل بمدى قدرة النظام الإيراني على الحفاظ على تماسكه الداخلي تحت الضغط. فالمعركة الحقيقية ليست فقط حول النووي أو الصواريخ أو النفوذ الإقليمي، وإنما حول شكل إيران في اليوم التالي.
وقد تكون طهران أمام آخر مساحة للمناورة: أن تنصاع بالقدر الكافي لتضمن بقاء النظام، قبل أن يتحول الانصياع من خيار تفاوضي إلى نتيجة تفرضها موازين القوة، وقبل أن ينتقل البحث من إصلاح سلوك الجمهورية الإسلامية إلى البحث عن بديل لها.











































































