اخبار فلسطين
موقع كل يوم -سما الإخبارية
نشر بتاريخ: ٨ أيلول ٢٠٢٦
تزايد انتشار الفيديوهات الترويجية المصنوعة بالذكاء الاصطناعي في المحتوى الرقمي والتلفزيوني، لكن هذا الانتشار يطرح سؤالاً محورياً: هل تستطيع الآلة أن تقنع المشاهد بنفس طريقة المخرج الإنساني؟ يظهر هذا التساؤل جلياً عندما يمرّ المشاهد على عشرات هذه المقاطع دون أن يتوقف أمامها، ربما لأنه يشعر بأن هناك شيئاً غير حقيقي وراء الأداء والصور، رغم براعتها التقنية.
يأتي هذا التطور بعد ثورات بصرية سابقة شهدتها الصناعة. في أوائل الألفينيات، فتحت الرسوم المتحركة والأنيميشن آفاقاً جديدة أمام صنّاع الفيديو الموسيقي والمخرجين، مثلما فعلت شارات المسلسلات الشهيرة عندما استعانت بهذه التقنيات في التسعينيات. لكن الفرق هذه المرة أن الذكاء الاصطناعي لا يضيف طبقة بصرية جديدة فحسب، بل يطرح تساؤلات عميقة حول جوهر العملية الإبداعية نفسها.
في قلب هذا الجدل يقف السؤال الأساسي: هل يكفي الإبهار البصري والتقني ليجذب المشاهد ويبقيه مهتماً؟ يؤكد الدكتور سليم شريف، أستاذ علم النفس الإعلامي، أن الإنسان بطبيعته يبحث دائماً عن الأصالة واللمسة الإنسانية، حتى وسط سيل لا ينقطع من المحتوى المصنوع آلياً. وفقاً لشريف، فإن الدماغ البشري قادر على التمييز بين العمل الذي يحمل جهداً وإبداعاً وتجربة إنسانية، وبين المنتج الصناعي البحت الذي لا يحمل أي شعور أو روح.
يوضح شريف أن الجمهور قد ينجذب للمحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي بدافع الفضول حول 'ما أنتجته الآلة'، وقد يشارك المقطع مع الآخرين متعجباً من براعته التقنية. إلا أن هذا الإعجاب المبدئي لا يترجم بالضرورة إلى ارتباط عاطفي عميق مع المحتوى. ويضرب مثالاً فنياً لتوضيح هذا الفرق: قد ينجذب متلقي الفن إلى لوحة رسمت قبل قرن لأنها تحمل تاريخاً وتجربة وأصالة، حتى لو لم تكن الأكثر براعة من الناحية التقنية البحتة.
من ناحية أخرى، يعترف شريف بقدرة الذكاء الاصطناعي الاستثنائية على خلق مشاهد ووقائع يصعب على المخرج تنفيذها حتى مع إمكانات أكبر الاستوديوهات. هذه الإمكانية تمنح الفيديو الترويجي أداة قوية لإثارة الفضول، وقد تدفع المشاهد لمتابعة المحتوى لساعات، حتى لو كانت القصة أو المشاهد غير حقيقية. كما يشير إلى أن الإنسان سيستمتع بالقصة غير الحقيقية إذا توظفت المؤثرات بطريقة تشده لمعرفة ما سيحدث بعد قليل، وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على اللعب على مشاعر الجمهور. لكن خلف هذه المتعة يبرز إدراك داخلي متكرر: 'هذا ليس حقيقياً'.
يرى محمود جمعة، مخرج ومنتج إعلانات ترويجية بخبرة تزيد على عشر سنوات، أن صناعة الفيديو الترويجي تبدأ من الفكرة قبل أي أداة أو عنصر تنفيذي. السؤال الأول الذي يطرحه المخرج قبل الإنتاج هو: ما الذي أريد قوله؟ ما الإحساس الذي أريد إيصاله للمشاهد؟ وما الذي سيجعله يتوقف أمام الفيديو ويرغب في معرفة المزيد؟ بعد ذلك تأتي الصورة والإيقاع والموسيقى والمونتاج لخدمة هذه الفكرة الأساسية.
يؤكد جمعة أن الذكاء الاصطناعي لم يغيّر هذا الأساس الفكري، بل 'وسّع جداً مساحة التنفيذ'، فأصبح بالإمكان تجربة أفكار ومشاهد كان تنفيذها يتطلب سابقاً إمكانات إنتاجية ضخمة. والأهم أن التقنية 'قلّلت المسافة بين الخيال والتنفيذ'، وفتحت 'مساحة كبيرة جداً للإبداع والتجريب'. غير أن وفرة الإمكانات لا تعني أن كل ما ينتجه الذكاء الاصطناعي يخدم الهدف النهائي للفيديو الترويجي.
يشرح جمعة أن 'الأداة قد تقدم الكثير من الصور المبهرة، وهنا يبدأ الدور الحقيقي للمخرج: أي صورة منها تخدم الفكرة؟ وأي صورة لها معنى داخل الحكاية؟' لذلك، فإن 'الفكرة هي التي تحدد الأداة، وليس العكس'. يعتقد أن أفضل استخدام للذكاء الاصطناعي يكون عندما يحتاج العمل إلى بناء عالم بصري مختلف، أو استعادة زمن أو مكان معين، أو تنفيذ مشهد يصعب إنتاجه واقعياً. لكن في المشاهد التي تعتمد على أداء الإنسان، قد تكون 'نظرة أو رد فعل أو حركة بسيطة أو إحساس حقيقي' أكثر تأثيراً من صورة مصنوعة رقمياً.
لا يرى جمعة أن التصوير التقليدي والذكاء الاصطناعي في حالة منافسة مباشرة، بل إن الجمع بينهما قد يكون إحدى أهم المساحات الإبداعية الحالية. فالذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج صور واقعية ومحاكاة المشاعر، لكن 'هناك فرق بين أن تصنع صورة لشخص يبدو حزيناً، وبين أن تعرف لماذا يجب أن تؤثر هذه اللحظة في المشاهد'.
يضيف جمعة أن قوة الفيديو الترويجي قد تكمن أحياناً في 'نظرة، أو لحظة صمت، أو تردد في الصوت، أو حتى ثانية إضافية' قبل الانتقال للقطة التالية، لأن 'الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحاكي شكل الإحساس، لكن الإنسان هو الذي يمنح هذا الإحساس معناه'. وفقاً لرأيه، فإن البرومو الناجح 'يعطي المشاهد ما يكفي ليشعر، ويُخفي عنه ما يكفي ليسأل'.
قد ينجح الذكاء الاصطناعي في جذب الانتباه في اللحظات الأولى، لكن بعد الدهشة الأولية يحتاج المشاهد إلى فكرة أو إحساس أو قصة تبقيه مهتماً. لذلك، لا يرى جمعة أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الفيديو الترويجي قد صُنع بالذكاء الاصطناعي أو بالتصوير التقليدي، بل: 'هل نجح في الوصول إلى المشاهد؟ وهل جعله يشعر بشيء؟' ويرى أن المنافسة الحقيقية في المستقبل لن تكون بين الإنسان والآلة، وإنما بين من 'يمتلك الأداة فقط'، ومن 'يمتلك رؤية ويعرف كيف يستخدم هذه الأداة ليحكي شيئاً يستحق المشاهدة'.
اقرأ أيضًا:

























































