اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
لم تعد أزمة الطاقة العالمية مجرد نتيجة جانبية للحرب الدائرة حول إيران، بل تحولت إلى أحد العوامل الأساسية التي قد تدفع باتجاه تسريع مسار الحسم. فمع استمرار الاضطراب في حركة النفط والغاز وارتفاع المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، لم يعد تأثير المواجهة محصوراً في ساحات القتال أو في الحسابات السياسية والعسكرية، بل انتقل مباشرة إلى الاقتصاد العالمي والأسواق وسلاسل الإمداد، الأمر الذي يجعل استمرار الوضع القائم مكلفاً لجميع الأطراف.
وتكمن أهمية مضيق هرمز في أنه ليس ممراً بحرياً عادياً، بل أحد الشرايين الرئيسية لسوق الطاقة العالمية. وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الناقلات ينعكس سريعاً على أسعار النفط والغاز وكلفة النقل والتأمين والصناعة والنقل، وصولاً إلى أسعار السلع والخدمات في مختلف أنحاء العالم. ومن هنا بدأت الدول الكبرى تتعامل مع الأزمة باعتبارها خطراً استراتيجياً لا يمكن تركه مفتوحاً إلى أجل غير محدد، خصوصاً أن الاقتصاد العالمي لا يستطيع التكيف بسهولة مع صدمة طاقة طويلة ومستمرة.
المفارقة أن الورقة التي حاولت إيران استخدامها لتعزيز موقعها التفاوضي يمكن أن تتحول تدريجياً إلى مصدر ضغط عليها. فطهران تعتمد بصورة أساسية على عائدات النفط، وأي اضطراب يحد من قدرتها على التصدير أو يرفع كلفة نقل شحناتها ينعكس مباشرة على مواردها المالية. وفي المقابل، فإن الدول المستهلكة بدأت، تحت ضغط الأزمة، بتسريع البحث عن بدائل، من خطوط أنابيب وممرات تصدير أخرى إلى زيادة المخزونات وتنويع مصادر الاستيراد والاستثمار في الطاقة المتجددة والغاز ومصادر الطاقة المحلية.
وهذا يعني أن الزمن لا يعمل بالضرورة لمصلحة إيران. فكل يوم إضافي من الأزمة يمنح الدول المتضررة حافزاً إضافياً لتقليل اعتمادها على الممرات التي تستطيع طهران التأثير فيها، فيما يجعل استمرار التهديد على حركة الطاقة عاملاً يدفع المجتمع الدولي إلى البحث عن ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في المنطقة. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتراجع قيمة استخدام هرمز كورقة ضغط إذا أصبحت الأسواق أكثر قدرة على الالتفاف حولها.
وفي الجانب الآخر، تواجه إيران معادلة صعبة: فهي تستطيع التأثير في حركة الطاقة العالمية، لكنها لا تستطيع التحكم في النتائج المترتبة على ذلك التأثير. رفع أسعار النفط قد يمنحها إيرادات إضافية في بعض الظروف، لكنه في الوقت نفسه يدفع الدول الكبرى إلى اتخاذ إجراءات أكثر تشدداً لحماية مصالحها، ويزيد الضغوط السياسية والاقتصادية عليها. أما استمرار المواجهة لفترة طويلة، فيعني استنزافاً متزايداً للموارد وقدرة أقل على المناورة.
لهذا السبب، فإن أزمة الطاقة قد تتحول إلى عنصر مسرّع للحسم، ليس بالضرورة عبر قرار عسكري مباشر، وإنما عبر تضييق هامش الخيارات أمام الجميع. فواشنطن وحلفاؤها لا يريدون أزمة طاقة مفتوحة، والأسواق لا تستطيع تحمل اضطراب دائم، والدول الآسيوية والأوروبية لا تريد أن تتحول إمداداتها الحيوية إلى رهينة للتوتر العسكري، وإيران بدورها تحتاج إلى الحفاظ على قدرتها على تصدير النفط وتمويل اقتصادها.
وفي هذه المعادلة يصبح السؤال الأساسي ليس فقط من يملك القدرة العسكرية الأكبر، بل من يستطيع تحمل كلفة الاستمرار لفترة أطول. فالحروب الحديثة لا تُحسم بالصواريخ والطائرات وحدها؛ الاقتصاد والطاقة والنقل والاحتياطيات المالية أصبحت جزءاً من ميزان القوة. وكلما ارتفعت كلفة الطاقة العالمية، ارتفع معها الضغط الدولي للانتقال من حرب مفتوحة إلى صيغة أكثر استقراراً، سواء عبر تفاوض أو ترتيبات أمنية أو تفاهمات تفرض واقعاً جديداً على الأرض.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو أزمة الطاقة اليوم مرتبطة مباشرة بمستقبل المواجهة مع إيران. فطهران تستطيع استخدام الجغرافيا والطاقة كأدوات ضغط، لكنها في الوقت نفسه معرضة لأن تتحول هذه الأدوات إلى عبء عليها. وإذا نجحت الدول الكبرى في تأمين بدائل جزئية لممرات الطاقة المهددة، فإن إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية ستفقد جزءاً من قيمتها، فيما تستمر الضغوط الاقتصادية عليها.
لذلك، فإن الحسم المقبل في الملف الإيراني قد لا يأتي فقط من تطور عسكري كبير، بل من تراكم عوامل اقتصادية وسياسية وأمنية تجعل استمرار الحرب أكثر كلفة من الوصول إلى تسوية. وأزمة الطاقة العالمية هي في صلب هذه المعادلة، لأنها تنقل الحرب من كونها نزاعاً إقليمياً إلى أزمة تمس الاقتصاد العالمي بأكمله.
في النهاية، قد تكون المفارقة الأكبر أن محاولة استخدام الطاقة كسلاح ضغط على العالم تسرّع، مع مرور الوقت، البحث العالمي عن بدائل تقلل من قدرة إيران على استخدام هذا السلاح. وكلما اتسعت دائرة المتضررين من الأزمة، أصبح الضغط أكبر للوصول إلى نهاية للمواجهة أو إلى ترتيبات جديدة تضبطها. ومن هنا، فإن أزمة الطاقة ليست مجرد نتيجة للحرب حول إيران، بل قد تصبح أحد العوامل التي تدفع نحو تسريع لحظة الحسم في إيران وإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها











































































