اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ١٠ أيلول ٢٠٢٦
كتب سليمان جوزيف فرنجيه لموقع الصدارة نيوز…
في كل يوم أنغمس بين الكتب الخاصة بي في مكتبتي. وفي خضم بحثي عن أسرار الطائفة المارونية ومخطوطاتها، تبرز لي كتب خطّت بيد شخص قضى رسالته الأرضية في التنقيب عن المخطوطات. إنّه الأباتي بطرس فهد، الذي لطالما أدهشني بكمية المعلومات الصادرة من روحه الجميلة المتميزة.
في حِجرة صامتة من أحجار الجبل اللبناني، حيث تفوح رائحة الورق العتيق وامتزاج الحبر برائحة البخور، عاش الأباتي بطرس فهد (1909 – 2003) متوارياً خلف صفحات التاريخ. لم تكن القيمة الحقيقية لهذا الرجل تكمن فقط في المناصب الرهبانية الرفيعة التي تقلدها ولا في عدد المجلدات المكدسة باسمه، بل في إنسانيته الفائقة، وفي ذلك الشغف النبيل الذي جعله يرى في كل مخطوطة قديمة روحاً إنسانية تُنادى لكي لا تُنسى.
لم يتخذ الأباتي بطرس فهد من العلم وسيلة للظهور أو لتحصيل وجاهة دنيوية؛ كان رجلاً متواضعاً يرتدي ثوب النسك البسيط، ويحمل في عينيه صفاء الجبليين ودفء أبناء كسروان. في بلدة 'عشقوت' التي تعانق الضباب، تعلّم كيف يصغي إلى صمت الطبيعة، وهو الصمت ذاته الذي حمله معه إلى المحترفات الرهبانية. كانت الإنسانية بالنسبة إليه تتمثل في حماية 'الذاكرة البشرية' من التلف والنسيان؛ فكل وثيقة منسية في زاوية دير مهجور كانت في نظره صرخة إنسان عاش، وصلى، وتألم في قرون مضت، وواجب الحب يقتضي إحياء هذه الذكرى.
شهد كل من عرفه عن قرب على دفء لقائه ولين جانبه. حين انتُخب أباتياً ورئيساً عاماً للرهبانية المارونية المريمية، لم يغير المنصب من رقّته شيئاً. كان يمارس الأبوة الروحية بحنان الأب ورزانة الحكيم. لم تجعله الإدارة والمسؤوليات الكبرى يوماً قاسياً أو متطلباً إلا على نفسه. كان يُعرف بقلبه المفتوح للرهبان الشباب، يستمع إلى همومهم الإنسانية والروحية بذات الصبر والشغف اللذين يقرأ بهما مخطوطاً صريحاً بالكرشونية من القرن السابع عشر. بالنسبة له، كان بناء الإنسان وزرع المحبة في قلوب الإخوة أسمى بكثير من جمع الكتب.
تكمن المؤثرات الإنسانية في حياته في تلك العلاقة الفريدة التي جمعته بـ 'القلم'. لم يكن القلم في يده أداةً للجدل أو السجال، بل كان أداة خدمة. أمضى عقوداً طويلة ينقب في الأرشيفات تحت إضاءة خافتة، يُجلي الغبار عن الورق الأصفر بيدين مرتجفتين حنونتين كمن يداعب طفلاً صغيراً. كان يرى في نشر 'كتاب الهدى' ووثائق الأجداء أمانة إنسانية تجاه الأجيال القادمة، كي تعرف جذورها وتستمد من ثبات الأولين القوة لمواجهة محن الحياة.
في سنوات عمره الأخيرة، وبعد أن أثقل السنون كاهله وتوارى التبجيل والرئاسات، ظلّ الأباتي بطرس فهد هو هو: الراهب القنوع الذي تجده جالساً في زاوية مكتبيته، يبتسم بطفولية لكل زائر، ويكرم الضيف بأبسط المتاح وكلمات المحبة. لم تكن تحركه رغبة في الخلود الشديد، بل كان مدفوعاً بوفاء عميق لأرضه، وكنيسته، وناسه.
توفي الأباتي عن عمر ناهز التسعين عاماً، ورحل بهدوء كمن ينهي صلاة المساء. نال أوسمة تكريمية كثيرة، ورفعته المؤسسات الأكاديمية والسياسية، لكنه ظل يفضل لقب 'الراهب' على كل ما عداه. رحل الأباتي بطرس فهد تاركاً خلفه درساً إنسانياً خالداً: أن عظمة الإنسان لا تُقاس بما يحققه من مجد شخصي، بل بما يتركه من حب، وما يحفظه من أرواح، وما يبثه من نور في عتمة الأيام.











































































