اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦
كتب سليمان جوزيف فرنجيه في موقع الصدارة نيوز…
في نهاية يوم طويل، حين يعم السكون، نلجأ غالباً إلى أجهزتنا الذكية بحثاً عن لحظة استرخاء. لكن ما يبدأ كجولة سريعة لتفقد العالم، يتحول فجأة إلى رحلة لا تنتهي في دهاليز الأخبار الكارثية. تتوهج الشاشة في العتمة، وتمرر أصابعنا خبراً تلو الآخر؛ صراعات، أزمات اقتصادية، وخيبات أمل جماعية. هذا الانغماس اللاإرادي، أو ما يُعرف بـ 'فخ التمرير المستمر للأخبار السلبية'، ليس مجرد عادة سيئة، بل هو استنزاف صامت لأرواحنا المتعبة.
من منظور علم النفس، نحن لسنا مذنبين بالكامل. عقولنا مبرمجة تطورياً للبحث عن التهديدات من أجل البقاء. في العصور القديمة، كان الانتباه للخطر يعني النجاة. أما اليوم، فالخطر لم يعد مفترساً يتربص بنا في الغابة، بل تحول إلى سيل رقمي لا ينضب، يتدفق عبر خوارزميات صُممت خصيصاً لإبقائنا في حالة تأهب قصوى. نحن نستهلك هذه الأخبار ظناً منا أن المعرفة ستمنحنا السيطرة، لكن المفارقة أن هذا التدفق يغرقنا في الشعور بالعجز والقلق، ويخلق حالة من الترقب المستمر لأسوأ ما قد يحمله الغد.
أثر هذا الفخ يتجاوز التعب البصري ليحتل مساحاتنا النفسية. تماماً كما تُترك أرض خصبة لتغزوها الأعشاب الضارة التي تمتص غذاءها، تستهلك هذه الأخبار السلبية طاقتنا الحيوية وتخنق جذور الطمأنينة والإبداع بداخلنا. نفقد القدرة على التركيز في أبسط تفاصيل حياتنا اليومية، ونجد أنفسنا محاصرين في غيمة من الإحباط المجتمعي الشامل.
لكسر هذه الدائرة، لا نحتاج إلى قطيعة تامة مع الواقع، بل إلى استعادة حقنا في اختيار ما نزرعه في عقولنا. أولى خطوات النجاة هي الوعي باللحظة؛ أن نضبط أنفسنا متلبسين بفعل التمرير اللانهائي ونتخذ قراراً حاسماً بالتوقف. خطوة أخرى تتمثل في وضع حدود رقمية صارمة، كأن نخصص وقتاً محدداً في اليوم لمتابعة المستجدات، على ألا يكون ذلك أبداً قبل النوم أو فور الاستيقاظ.
الأهم من ذلك هو العودة إلى الملموس. عندما نشعر بأن العالم الافتراضي يبتلعنا، يجب أن نوجه حواسنا إلى ما يعيدنا لواقعنا الهادئ. قد يكون ذلك عبر غرس اليدين في التراب للاعتناء بنبتة في شرفة المنزل، أو تقليم أغصان شجرة مثمرة، أو حتى الغوص في صفحات كتاب مطبوع يروي أحداثاً من عبق التاريخ أو يبحث في عمق المعاني الروحانية. هذه الأفعال البسيطة تعيد ربطنا بجذورنا، وتذكرنا بأن العالم، رغم قسوته أحياناً، لا يزال يتسع للكثير من الجمال، والنمو، والهدوء.
النجاة من هذا الفخ ليست معركة ضد التكنولوجيا، بل هي رحلة تصالح مع ذواتنا. إنها اختيار واعٍ بأن نحمي ملاذنا الداخلي، ونسمح لعقولنا بأن تتنفس هواءً نقياً بعيداً عن غبار الأزمات المفتعلة.
في خضم هذا الضجيج الرقمي، إذا كان انتباهنا هو أثمن ما نملك، ففي أي زاوية من عالمك الحقيقي ستختار استثماره اليوم؟











































































