اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٦ حزيران ٢٠٢٦
بينما يرفع العالم في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب شعارات الكرامة الإنسانية والعدالة وحقوق الإنسان، يقبع قرابة 9500 أسير فلسطيني خلف زنازين سجون الاحتلال الإسرائيلي في واقع مأساوي يناقض كل تلك العبارات الرنانة والمواثيق الأممية.
وهناك، بعيداً عن عدسات الكاميرات وخطابات المناسبات الدولية، تتواصل شهادات الأسرى والمحررين لتروي فصولاً من التعذيب الجسدي والنفسي، والتجويع، والإهمال الطبي المتعمد، لتتسع الفجوة أكثر بين التزامات المجتمع الدولي المعلنة والانتهاكات الصارخة التي تُرتكب خلف الأبواب الموصدة.
مفارقة التاريخ والسياسة الممنهجة
وتكتسب هذه المناسبة رمزية خاصة منذ أن أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الثاني عشر من كانون الأول لعام 1997، يوم السادس والعشرين من حزيران من كل عام يوماً عالمياً لمناهضة التعذيب ومساندة ضحاياه، وهو التاريخ ذاته الذي دخلت فيه اتفاقية مناهضة التعذيب حيز التنفيذ عام 1987.
غير أن دولة الاحتلال واصلت التنصل من كافة هذه المواثيق، محولة التعذيب بشقيه الجسدي والنفسي إلى سلوك يومي ثابت، ونهج مؤسسي مدروس يمثل جزءاً أساسياً من سياسة العقاب الجماعي الممنهجة ضد الفلسطينيين.
وتتجلى هذه الكارثة الإنسانية في الإحصائيات الصادمة التي تشير إلى استشهاد 92 معتقلاً فلسطينياً على الأقل داخل السجون منذ بدء حرب الإبادة الأخيرة، وهؤلاء هم فقط من أُعلن عنهم وعُرفت أسماؤهم، وسط تقديرات بوجود عشرات آخرين قضوا في معسكرات الاعتقال دون الكشف عن هوياتهم أو ظروف استشهادهم حتى الآن.
هندسة الألم وأساليب التنكيل
وتتجاوز أساليب التعذيب التي تنتهجها إدارة السجون الإسرائيلية التعريفات التقليدية للتعذيب، حيث باتت تُصمم لإحداث أكبر قدر ممكن من الأذى الجسدي والروحي طويل الأمد.
ويتعرض الأسرى للاعتداء الجسدي المباشر بالضرب المبرح بأعقاب البنادق، وخلع الأظافر، والتحقيق العسكري العنيف، إلى جانب سياسات حرمان ممنهجة تشمل التجويع والتعطيش، والحرمان الطويل من النوم وقضاء الحاجة، والمنع التام من الرعاية الطبية اللازمة.
وتتسع رقعة الانتهاكات لتشمل إجبار المعتقلين على البقاء عراة أو شبه عراة لساعات طويلة تحت وطأة الظروف الجوية القاسية صيفاً وشتاءً، وإطلاق الكلاب البوليسية لتنهش أجسادهم الضعيفة.
كما يواجه الأسرى اعتداءات نفسية وجنسية جسيمة تشمل التحرش والتهديد المباشر باعتقال أفراد عائلاتهم أو قصفهم وتصفيتهم، فضلاً عن عرض صور الدمار الشامل في قطاع غزة لكسر معنوياتهم، وفرض عزل تام يقطع صلتهم بالعالم الخارجي ويمنع زيارات الأهل والمحامين.
ولا تقتصر هذه الفظائع على معسكر سديه تيمان السيئ السمعة الذي تفوح منه رائحة الموت، بل تمتد لتشمل السجون الأخرى الخاضعة لسيطرة ما يسمى بوزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير.
شهادة المحرر محمد قاعود: عندما يصبح القيد عذاباً مستمراً
في ظل التعتيم الإعلامي المطبق وإغلاق السجون أمام المؤسسات الدولية، تظل أجساد المفرج عنهم النحيلة ووجوههم الشاحبة هي الدليل الحي والأقوى على هول الجريمة.
ويروي الأسير المحرر محمد قاعود جانباً من المعاناة الإنسانية العميقة التي عاشها مع آلاف المعتقلين الذين أمضوا أشهراً طويلة وهم مكبلو الأيدي على مدار الساعة دون انقطاع، واصفاً كيف تحول القيد الحديدي من أداة لتقييد الحركة إلى آلة تعذيب تسلب الإنسان القدرة على قضاء أبسط احتياجاته اليومية أو تناول طعامه.
ويصف قاعود تلك التجربة القاسية مستذكراً عاماً كاملاً نهش فيه الطفح الجلدي جسده، وأرقته الحكة والأوجاع الشديدة، بينما كانت يداه المقيدتان عاجزتين تماماً عن الوصول إلى موضع الألم، ليتحول الاعتناء بالنفس والنظافة الشخصية إلى معركة مستحيلة خوضها.
ولا تتوقف هذه المعاناة مع غروب الشمس؛ إذ يتحول النوم نفسه إلى كابوس مستمر بفعل ضغط الحديد القاسي على المعصمين مع كل حركة التفات بسيطة، مما يوقظ الأسير مراراً متسبباً في أوجاع دائمة لا يمكن التعايش معها، ومحولاً اليدين اللتين خُلقتا للعمل والعطاء واحتضان الأحبة إلى مصدر مستمر للعجز والانكسار.
جحيم قسم ركيفت: شهادات من عمق التنكيل اليومي
وفي قسم ركيفت، تتجسد فصول أخرى من التنكيل اليومي الممنهج عبر ممارسات قاسية تفرضها منظومة السجون؛ حيث يتعمد السجانون استخدام سياسة كسر الأصابع كأداة عقاب وترهيب رئيسية ضد المعتقلين الخاضعين للمحاكمات.
كما تُستخدم القيود الحديدية كأداة تعذيب مباشرة من خلال شدّها بقوة مفرطة لقطع الدورة الدموية وتسبب الاحتقان والآلام البالغة، فضلاً عن إجبار الأسرى على البقاء مكبلي الأيدي مطأطئي الرؤوس وصامتين طوال فترة خروجهم إلى ساحة الفورة.
وتنعكس قسوة الحياة اليومية داخل القسم في الاكتظاظ الشديد، إذ يُحتجز كل أربعة معتقلين داخل زنزانة ضيقة للغاية يضطر أحدهم للنوم على الأرض الباردة لعدم كفاية الأسرة الحديدية.
ويرافق هذا التضييق المادي حرب نفسية مستمرة تشمل توجيه الشتائم والتهديد بالضرب قبيل زيارات المحامين لترهيبهم ومنعهم من كشف واقعهم المرير.
وتكتمل فصول هذه المعاناة بحرمان الأسرى من أداء صلواتهم وتجريدهم من مقومات النظافة، حيث تُوزع إدارة السجن معجون الأسنان دون فراشٍ، وتقتصد بشدة في توزيع المناديل الورقية بمعدل لفة واحدة لكل أربعة أسرى كل يومين، وصولاً إلى الضرب المبرح والاعتداء العنيف على المناطق الحساسة أثناء التحقيق لانتزاع اعترافات بالقوة تحت التهديد بالأدوات الحادة.
صمت دولي يشرعن الجريمة
إن هذه الشهادات الحية والفظائع اليومية المتواصلة تضع المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها الأخلاقية والقانونية.
ففي اليوم العالمي لمناهضة التعذيب، يثبت الصمت الدولي المستمر وتخاذل المنظمات المعنية أنهما ليسا سوى ضوء أخضر يمنحه العالم للاحتلال، لمواصلة كتابة فصول المأساة والإبادة الصامتة خلف زنازين الموت البطيء التي تلتهم أجساد وأرواح الأسرى الفلسطينيين بلا رادع.

























































