اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٧ أيلول ٢٠٢٦
على مفترق طرق حيوي يطل على شارع صلاح الدين، لا تتوقف أصوات الطرق وتعديل الحديد، إذ يقف الأربعيني 'أبو سائد' برفقة ابنه وصديقه، لتقويم قضبان الحديد الملتوية وإعادة تشكيلها، تمهيداً لبيعها للزبائن.
ولتسهيل العمل المتواصل، استعان أبو سائد بماكينة مخصصة لتقويم وثني الحديد، كان يستخدمها في مهنته الأصلية في البناء والتشييد، قبل أن يضطر إلى التوقف عن العمل قسراً بسبب الحرب.
يقول أبو سائد لصحيفة 'فلسطين' إن القضبان التي يجري تعديلها يستخدمها الأهالي بشكل أساسي في إقامة هياكل الخيام، بديلا عمليا عن الأخشاب التي تشهد شحاً، إلى جانب استخدامها في إنشاء 'كرفانات' ونقاط تجارية صغيرة لممارسة أنشطة البيع والشراء.
ويشتري المتر الطولي من القضبان الملتوية من المواطنين مقابل شيكل واحد، قبل أن يعيد تقويمه وتعديله وبيعه بسعر يصل إلى 2.5 شيكل للمتر، في دورة تجارية تبدأ من الركام وتنتهي بهيكل خيمة أو منشأة مؤقتة.
ويصف أبو سائد طبيعة العمل قائلاً: 'العمل متعب جداً، ونقضي ساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة. حاولنا تغطية المكان بالشوادر للحماية، لكن الحرارة والشمس تنفذ إلينا بقوة'.
ولا يقتصر العمل على تقويم الحديد وإعادة بيعه، إذ يجد عدد من المواطنين في استخراج القضبان من المباني المدمرة فرصة للحصول على دخل مع فقدان مصادر الرزق وتوقف الكثير من الأعمال.
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى وجود ما بين 61 و66 مليون طن من الركام في قطاع غزة، في وقت تضررت أو دمرت فيه مئات آلاف الوحدات السكنية.
وتشير تقديرات أخرى إلى أن إزالة الركام قد تستغرق نحو سبعة أعوام في أفضل الظروف، في حين قد تمتد العملية إلى ما بين 10 و20 عاماً أو أكثر في حال استمرار القيود على إدخال الآليات والوقود.
وفي هذا الواقع، لم يعد الركام مجرد مخلفات للمباني المدمرة، بل تحول بالنسبة إلى بعض المواطنين إلى مصدر لمواد يمكن إعادة استخدامها أو بيعها، وفي مقدمتها قضبان الحديد.
ويروي محمود الدباغ أحد المواطنين المتواجدين في المكان قصته مع جمع وبيع الحديد، موضحاً أن الأمر بدأ عندما شرع في استخراج القضبان من منزله الذي دمرته الحرب، قبل أن يتحول، مع ارتفاع الطلب عليها، إلى عمل يومي.
ويقول لصحيفة 'فلسطين': 'أصبحت أتوجه أنا وصديقي إلى الجمعيات والمؤسسات والمنازل المهدمة، ونستأذن أصحابها للقيام بتكسير الباطون وتفكيك قضبان الحديد مقابل سعر معين. وأحياناً لا ندفع ثمنها، مقابل أن نساعد صاحب المنشأة في التخلص من الأنقاض وإخلاء المكان لاستبداله بخيمة'.
ويشير إلى أن العمل لا يخلو من المخاطر، موضحاً أنه سبق أن تعرض لإصابة بعد سقوط جزء من سقف مبنى مهدم على قدمه، ما اضطره إلى التوقف عن العمل لفترة قبل أن يعود إليه مجدداً.
ويعتمد في عمله على أدوات يدوية بسيطة، قائلاً إن ما بحوزته لا يتجاوز 'الشاكوش والمهدة' والأدوات الثقيلة المستخدمة في تكسير الخرسانة وتحرير القضبان المعدنية من بين الأنقاض.
ولا ينفصل هذا النوع من الأعمال عن أزمة سوق العمل التي تعصف بالقطاع منذ اندلاع حرب الإبادة، بعدما توقفت قطاعات إنتاجية واسعة وتضررت آلاف المنشآت، وفقد مئات آلاف العاملين مصادر دخلهم.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن معدل البطالة في قطاع غزة تجاوز 80% خلال عام 2025، مقارنة بنحو 45% قبل الحرب، في ظل الانكماش الحاد للنشاط الاقتصادي وتراجع فرص العمل.
وتمنع (إسرائيل) إدخال معدات إزالة الركام إلى قطاع غزة وتتنصل من الالتزام باستحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
محدودية فرص العمل
يقول الاختصاصي الاقتصادي خالد أبو عامر إن اتساع ظاهرة العمل في استخراج الحديد من المباني المدمرة وإعادة تقويمه وبيعه يعكس جانباً من التحولات التي فرضتها الحرب على سوق العمل في غزة، حيث باتت فئات واسعة، ولا سيما الشباب، تبحث عن أي مصدر دخل يساعدها على تأمين الاحتياجات الأساسية، في ظل محدودية فرص العمل وتراجع الأنشطة الاقتصادية.
ويضيف أبو عامر لصحيفة 'فلسطين' أن هذه الأعمال تمثل بالنسبة إلى بعض العاملين اقتصاداً قائماً على إعادة استخدام مخلفات الحرب، إذ تتحول مواد كانت جزءاً من المنازل والمنشآت المدمرة إلى سلع قابلة للبيع والاستخدام من جديد. ويشير إلى أن الحديد يحتفظ بقيمة اقتصادية حتى بعد انتزاعه من الركام، ما يخلق سلسلة عمل تبدأ باستخراجه من المباني المهدمة، ثم تنظيفه وفرزه وتقويمه، قبل أن يصل إلى الأهالي لاستخدامه في بناء الخيام أو المنشآت المؤقتة.
ويرى أن لجوء العاملين إلى هذه المهنة يرتبط أيضاً بانخفاض كلفة الأدوات المستخدمة مقارنة بالأعمال التي تحتاج إلى معدات وآليات متخصصة، إلا أن ذلك لا يلغي المخاطر المرتبطة بها، خصوصاً عند العمل داخل مبانٍ متضررة أو بالقرب من كتل خرسانية وجدران غير مستقرة. كما أن الاعتماد على الأدوات اليدوية في تكسير الباطون وتحرير القضبان يجعل العمل أكثر جهداً ويطيل الوقت اللازم لإنجاز المهمة.

























































