اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢١ تموز ٢٠٢٦
تقرير - شهاب
فجر الثلاثاء، في حي السامر بمدينة غزة، لم يُطفئ «وقف إطلاق النار» المزعوم نيران الاحتلال؛ بل التهمت النيران أباً وأماً وأربعة أطفال، وتفحّمت أجسادهم وهم يصرخون طلباً للنجاة… فمُسِح اسمهم من سجل الأحياء.
وقبل أن يشقّ الفجرُ سماءَ غزة، كانت عائلة المصري نائمةً في «أمان الله» داخل شقتها في حي السامر قرب مفترق شارع الغرفة التجارية. لم تكن جبهةً ولا ثكنة، بل بيتٌ فيه ستة قلوب: الأب فراس، والأم سلسبيل، وأربعة صغار هم نعيم وفريال وسلمى وأميرة.
في لحظةٍ واحدة، انفجرت طائرةٌ انتحاريةٌ للاحتلال داخل الشقة المستهدفة، فاندلع حريقٌ هائل التهم كل ما فيها. سمِع الجيرانُ الصراخ يتصاعد من بين اللهب، وهرعوا يحاولون انتشال الأطفال، لكنّ النار كانت أسرع من كل يدٍ ممدودة. حين خمدت، لم يكن قد بقي من العائلة سوى رمادٍ وأسماء.
المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني محمود بصل قال إن أفراد عائلة المصري تفحّموا جميعاً بطائرة انتحارية… كانوا يصرخون من أجل إخراجهم، لكن كل المحاولات باءت بالفشل.
وبلغةٍ لا تحتمل التأويل، أعلن المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني أنّ «العائلة مُسِحت من السجل المدني»؛ عبارةٌ صارت في غزة توصيفاً إدارياً بارداً لجريمةٍ حارقة: أن يُطفأ خطُّ نسبٍ بأكمله في ليلة، وأن يتحوّل ستةُ بشرٍ من خانةٍ في قيدٍ عائلي إلى صفرٍ مطلق.
لا هدنة تحت الرماد
اُرتكبت مجزرة عائلة المصري بعد نحو تسعة أشهرٍ على توقيع اتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2025 برعايةٍ دولية. غير أنّ الأرقام على الأرض تنسف رواية «انتهاء الحرب» نسفاً: فمنذ سريان الاتفاق، ارتقى نحو 1122 شهيداً وأُصيب أكثر من 3599 فلسطينياً وفق وزارة الصحة، بينما وثّق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أكثر من 3689 خرقاً للاتفاق.
أما المساعدات، فلم يدخل القطاع سوى نحو 58,664 شاحنة من أصل 165 ألفاً كان يُفترض دخولها؛ أي التزامٌ لم يتجاوز 35%، فيما ما زال الاحتلال يسيطر على قرابة 70% من مساحة القطاع، والمرحلة الثانية من الاتفاق عالقةٌ منذ توقيعه.
من رحم هذا التضليل وُلد وسم «#كذبوا_عليكم»، حملةٌ رقميةٌ أطلقها ناشطون من غزة منتصف يوليو/تموز الجاري لكسر وهم أنّ المأساة انتهت. رسالتها المكثّفة أنّ الإبادة لم تتوقف، وأنّ «وقف النار» شعارٌ للاستهلاك الدبلوماسي بينما الدم لا يزال يسيل.
تسند الحملةُ قولها بالأرقام: نحو 1094 شهيداً و3507 مصابين، و799 جثماناً انتُشلت من تحت الركام منذ إعلان الهدنة. عائلة المصري ليست استثناءً في هذا المشهد؛ إنها الدليل الأحدث على أنّ الكذبة الكبرى اسمها «التهدئة».
إبادةٌ للنسب لا للأجساد فقط
ما جرى لعائلة المصري ليس حادثاً معزولاً، بل حلقةٌ في سياسةٍ ممنهجة يوثّقها الفلسطينيون تحت عنوانٍ مروّع: «مسح العائلات من السجل المدني». والمقصود أن يُقتل أفراد العائلة جميعاً — ثلاثة أجيالٍ من القيد نفسه أحياناً — فلا يبقى من يحمل الاسم أو يسجّل مولوداً أو يرث بيتاً. إنها إبادةٌ مزدوجة: للأجساد أولاً، ثم للذاكرة والوجود القانوني ثانياً.
تكشف الإحصائيات هول الرقم. فبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أُبيدت نحو 2200 عائلة بالكامل ومُحيت من السجل المدني، سقط منها أكثر من 6350 شهيداً، فيما بقي من أكثر من 5120 عائلةً فردٌ واحدٌ فقط بعد أن فقدت هذه العائلات أكثر من 9351 من أبنائها.
وسجّل القطاع أكثر من 12 ألف مجزرة، استهدفت العائلات الفلسطينية تحديداً في نحو 11926 منها. وفي تحقيقٍ لاحقٍ مطلع 2026، ارتفع عدد العائلات الممحوّة من القيد إلى أكثر من 2700 عائلة قُتل ضمنها أكثر من 8000 إنسان، من بين نحو 40 ألف عائلةٍ استُهدفت بصورةٍ مباشرة. كلُّ رقمٍ منها كان بيتاً يضجّ بالحياة، مثل بيت المصري تماماً.
وجهٌ بشعٌ للاحتلال
وصفت حركة حماس ما جرى بأنه «مجزرة بشعة» و«تجسيدٌ حقيقيٌّ لوحشية الاحتلال وتحلّله من كل القيم الإنسانية، وإصرارٍ على مواصلة حرب الإبادة ضد المدنيين الأبرياء، والتنكّر لاتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في شرم الشيخ برعايةٍ دولية». وهي قراءةٌ يعزّزها غيابُ أي تبريرٍ من جانب الاحتلال؛ فلا بيان، ولا ادّعاء «هدف»، ولا حتى محاولةٌ لتلفيق روايةٍ كالمعتاد. حين يُحرق أطفالٌ نيامٌ بطائرةٍ انتحارية داخل غرفة نومهم، تسقط تلقائياً كل مفردات «الخطأ» و«الأضرار الجانبية» التي دأب جيش الاحتلال على ترديدها.
تُختصر حكاية عائلة المصري في مشهدٍ واحد: أربعةُ أطفالٍ وأبوان يصرخون خلف جدارٍ من نار، وأيدٍ عاجزةٌ عن الوصول إليهم، ثم سطرٌ يُشطب من سجلٍ رسمي. هذا هو وجه «الهدنة» في غزة كما تراه المدينة كل فجر. ومن هنا تحديداً يكتسب وسمُ «كذبوا عليكم» مشروعيته: ليست الحرب ذكرى، وليست الإبادة ماضياً؛ إنها تحدث الآن، فوق الرماد الذي كان بيتاً، وتحت صمتٍ دوليٍّ يكتفي بالتوقيع على ورقٍ لا يوقف نزيفاً.

























































