اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
عمون - قراءة مصطفى القرنة - يحمل عنوان كتاب «العربية المحكية في ماردين» للدكتور جورج غريغوري دلالات لغوية وثقافية وحضارية تتجاوز حدود التعريف بموضوع الكتاب، فهو يضع القارئ أمام مساحة غنية من التفاعل بين اللغة والمكان والإنسان، ويفتح آفاقاً للتأمل في الهوية والانتماء والذاكرة والتحولات الاجتماعية التي تسهم في تشكيل ملامح اللغة عبر الزمن.
تنبع أهمية العنوان من جمعه بين ثلاثة مكونات أساسية: العربية، والمحكية، وماردين. فكل مفردة من هذه المفردات تفتح أفقاً دلالياً خاصاً، فيما يؤدي اجتماعها إلى تشكيل صورة متكاملة عن علاقة اللغة ببيئتها الاجتماعية والتاريخية.
فكلمة «العربية» تستحضر الامتداد الحضاري والثقافي للغة التي شكّلت وعاءً للمعرفة والأدب والتاريخ، وأسهمت في بناء جسور التواصل بين المجتمعات. وهي هنا تشير إلى حضور العربية في بيئة جغرافية وثقافية متعددة الروافد، بما يؤكد قدرتها على التفاعل مع محيطها والمحافظة على حضورها في الوجدان الاجتماعي.
أما وصفها بـ«المحكية» فيمنح العنوان بعداً إنسانياً واجتماعياً بالغ الأهمية؛ فاللغة المحكية هي لغة الحياة اليومية، ولغة البيوت والأسواق والعلاقات الإنسانية، وهي الذاكرة الحية التي تحفظ تعبيرات الناس وأمثالهم ومفرداتهم وطرائقهم في فهم العالم. ومن خلال الاهتمام بالمحكية، تتجه الدراسة إلى اللغة في صورتها المتداولة، حيث تتجلى عفويتها وخصوصيتها وثراء تجربتها الإنسانية.
وتأتي كلمة «ماردين» لتمنح العنوان خصوصيته المكانية والتاريخية؛ فالمدينة الواقعة في جنوب شرقي تركيا تمثل فضاءً حضارياً متعدد الثقافات واللغات، وتختزن تاريخاً طويلاً من التفاعل بين المكونات العربية والكردية والتركية وغيرها. ومن هنا تتحول ماردين في العنوان من مجرد موقع جغرافي إلى حاضنة للذاكرة اللغوية، ومجال تتجسد فيه قدرة العربية على الاستمرار والتطور داخل بيئة ثقافية متنوعة.
إن اختيار ماردين تحديداً يكشف عن وعي بأهمية الأمكنة التي تحتفظ بخصوصياتها اللغوية عبر الأجيال. فاللغة المحكية في مدينة ما تحمل آثار تاريخها، وتكشف عن طبيعة علاقاتها الاجتماعية والثقافية، وتقدم للباحث مفاتيح لفهم الإنسان والمجتمع. ولهذا فإن الجمع بين العربية المحكية وماردين يفتح أمام القارئ نافذة على تجربة لغوية تستحق الدراسة والتوثيق والاهتمام.
ومن الدلالات اللافتة في العنوان أنه يعيد الاعتبار إلى اللهجات المحلية بوصفها جزءاً أصيلاً من التراث اللغوي العربي. فالمحكية تمثل سجلاً حياً للتحولات التي مرت بها المجتمعات، وتحفظ مفردات وتراكيب وتعبيرات تحمل في داخلها شواهد على التاريخ والتواصل والتأثر المتبادل. كما أن دراستها تسهم في توسيع فهمنا للعربية وتنوع أنظمتها التعبيرية.
وتزداد قيمة العنوان حين نضعه في سياق الاهتمام العلمي للدكتور جورج غريغوري باللغة العربية ولهجاتها، وما تمثله دراسته من جهد في توثيق خصوصية لغوية مرتبطة بمدينة ذات تاريخ ثقافي عريق. فالكتاب يضع المحكية العربية في ماردين ضمن دائرة البحث اللساني، ويمنحها مساحة تستحقها في الدراسات التي تعنى بتاريخ العربية وامتداداتها الجغرافية والاجتماعية.
ومن الناحية النقدية، تكمن قوة العنوان في وضوحه ودقته واختزاله لموضوع علمي واسع في ثلاث وحدات دلالية مترابطة. فهو يمنح القارئ تصوراً مباشراً عن موضوع الدراسة، ويحدد مجالها اللغوي ومكانها الجغرافي، ويثير في الوقت نفسه فضولاً معرفياً حول طبيعة هذه المحكية وخصائصها وأصولها وصلاتها بالعربية في فضائها الأوسع.
كما يحمل العنوان قيمة ثقافية تتجاوز حدود البحث اللساني؛ إذ يساهم في إبراز الحضور العربي في منطقة ماردين، ويقدم اللغة بوصفها ذاكرة مشتركة بين الأجيال، ووسيلة لحفظ الخصوصية الثقافية وتعزيز الحوار بين الشعوب. ومن هذه الزاوية، يصبح الكتاب عملاً يوثق جانباً من التراث الإنساني الذي يستحق أن ينتقل من نطاق المعرفة المحلية إلى فضاء البحث العالمي.
إن عنوان «العربية المحكية في ماردين» عنوان موفق في بنائه ودلالاته، لأنه يجمع بين اللغة بوصفها هوية ثقافية، والمحكية بوصفها تعبيراً عن الحياة اليومية، وماردين بوصفها مكاناً يحمل تاريخاً حضارياً متنوعاً. وتكمن أهميته في أنه يلفت الانتباه إلى ثراء العربية في امتداداتها الجغرافية، وإلى قيمة اللهجات المحلية في فهم تاريخ اللغة وحياة المجتمعات الناطقة بها.
ويحسب للدكتور جورج غريغوري اختياره هذا الموضوع الذي يجمع بين الدقة العلمية والحس الثقافي، ويمنح المحكية العربية في ماردين حضوراً في الدرس اللساني المعاصر. فالكتاب، من خلال موضوعه وعنوانه، يقدم إسهاماً معرفياً في صيانة الذاكرة اللغوية، ويؤكد أن دراسة اللغة تبدأ من الإنسان الذي يتحدث بها، ومن المكان الذي تشكلت فيه تجربته وتاريخه.
إنه عنوان يختصر جغرافيا اللغة، ويستحضر تاريخ الإنسان، ويفتح باباً واسعاً للتأمل في علاقة اللسان بالمكان والهوية والحضارة.

























































