اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة سوا الإخبارية
نشر بتاريخ: ١٠ أيلول ٢٠٢٦
تقاس الفظائع والجرائم المقترفة في الحروب بحجم الركام وأعداد الضحايا المرئيين، لكن في قطاع غزة ، وفي خضم حرب الإبادة الجماعية التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي، تبرز زاويا متعددة خفية ومروعة من الانتهاكات تصنف ضمن الإبادة، ومن ذلك 'الإبادة البيئية'، وحرب التلوث الصوتي، المتمثلة في التحليق الكثيف والمتواصل للطائرات الحربية بدون طيار بأنواعها المتعددة، والتي يطلق عليها الفلسطينيون محلياً اسم 'الزنانة'.
هذا الأزيز الميكانيكي المستمر يحدث ضجيج ليس عابر في خلفية المشهد، ويمثل أداة تعذيب سيكولوجي وعقاب جماعي مدروس، حيث يحول سماء غزة إلى غطاء خانق من الرعب والتوتر، ويدمر البيئة السمعية والنفسية لأكثر من مليوني إنسان.
لغة الأرقام
لا تقتصر خطورة 'الزنانة' على ما تحمله من صواريخ، بل في الترددات الصوتية التي تصدرها محركاتها، فوفقاً لمعايير منظمة الصحة العالمية (WHO)، فإن مستوى الضوضاء البيئية المسموح به والذي لا يسبب أضراراً صحية يجب ألا يتجاوز 45 إلى 55 ديسيبل نهاراً، و40 ديسيبل ليلاً لضمان نوم صحي وهادئ.
ومن الناحية العلمية لبيانات الطيران العسكري، تسجل طائرات الاستطلاع الإسرائيلية (مثل طراز 'هيرمز 450' و'هيرمز 900') عند تحليقها المكثف والمنخفض مستويات ضوضاء تتراوح عادةً بين (70 إلى 85 ديسيبل)، وقد تتجاوز (90 إلى 100 ديسيبل) في حالات التصعيد والتحليق الهجومي المنخفض، وهو ما ينسف تماماً المعايير الصحية التي وضعتها منظمة الصحة العالمية.
لذا؛ يتخطى التحليق المنخفض والمكثف لأسراب الطائرات المسيرة في القطاع المعدلات المسموحة بأشواط كبيرة، حيث تستمر الضوضاء على مدار 24 ساعة دونما انقطاع، مما يخلق حالة من التلوث الصوتي المتطرف.
ديناميكية التحليق
لم تتصف وتيرة هذا التلوث الصوتي في أي وقت من أوقات حرب الابادة في قطاع غزة بأنها ثابتة، بل تفاوتت درجات استمرار صوت 'الزنانات' وكثافتها في سماء القطاع على مدى أيام وشهور الحرب الطويلة، متخذةً طابعاً يعكس حدة التصعيد الميداني، المثير للانتباه والذي يؤكد الطبيعة العقابية الممنهجة لهذا السلاح، أن هذه الطائرات لم تسكت ولم يغب أزيزها الخانق عن سماء القطاع إلا لأيام قليلة جداً خلال فترات التهدئة الإنسانية المؤقتة.
وحتى هذا الغياب المؤقت لم يكن ليتحقق كبادرة حسن نية، بل جاء كشرط صريح ومباشر فرضته الفصائل الفلسطينية، التي أصرت على إخلاء الأجواء من الطيران المسير كبند أساسي لإتمام التهدئة. هذا الاشتراط التفاوضي يحمل دلالة واضحة على الإدراك العميق لحجم الأذى النفسي، والضغط العصبي، والتلوث البيئي الفادح الذي يلحقه هذا التحليق المتواصل بحياة السكان.
أجساد مستنزفة
إن التعرض المستمر والمطول لهذا التلوث السمعي له تداعيات فسيولوجية مدمرة وثقتها التقارير الطبية، وتتجلى في قطاع غزة عبر عدة مستويات:
* الحرمان المزمن من النوم:
يمنع الصوت المستمر للزنانة السكان من الوصول إلى مراحل النوم العميق، مما يؤدي إلى إرهاق مزمن، وضعف حاد في جهاز المناعة.
* إجهاد القلب والأوعية الدموية:
تؤدي الضوضاء المستمرة إلى ارتفاع معدلات إفراز هرمونات التوتر، مما يسبب ارتفاعاً في ضغط الدم، ويزيد من احتمالات الإصابة بالنوبات القلبية.
* الإعاقة الإدراكية:
يؤثر الضجيج المستمر على القدرة على التركيز والاستيعاب، ويخلق حالة من التشتت الذهني المستمر لدى السكان خاصة الطلبة.
متلازمة 'الموت المعلق'
إلى جانب الأثر العضوي، يبرز الأثر النفسي كأحد أقسى أوجه التلوث السمعي، في الوعي الجمعي الفلسطيني، ارتبط صوت 'الزنانة' بالموت والدمار، لقد خلق هذا الأزيز المتواصل ما يعرف بعلم النفس بالارتباط الشرطي؛ فالصوت لم يعد مجرد ضجيج، بل إنذار دائم باقتراب صاروخ أو وقوع مجزرة، مما يضع الجهاز العصبي في حالة تأهب مفرط مستمرة، وهي إحدى أشد درجات اضطراب ما بعد الصدمة.
مفارقة التأقلم السيكولوجي
رغم قسوة هذا الواقع الممِرض، تتكشف أمامنا ظاهرة نفسية استثنائية ومعقدة تتمثل في قدرة جموع الفلسطينيين على التأقلم مع هذا التلوث الصوتي القاتل بشكل غريب وربما غير مفهوم للعين الخارجية.
في التفسير النفسي والعصبي، يعزى هذا السلوك إلى آليات دفاعية لا واعية يتخذها العقل البشري لضمان البقاء. عندما يتعرض الإنسان لضغط مستمر لا مهرب منه، يلجأ الدماغ إلى ما يُطعرف بالتعود الحسي؛ حيث يقلل الجهاز العصبي المركزي من استجابته الانفعالية تجاه المحفز الصوتي المكرر (الزنانة) لمنع الانهيار العصبي الشامل.
هذا التكيف الاستثنائي يدفع العقل إلى ممارسة حيلة تطبيع الشذوذ؛ فيقوم بدمج صوت الطائرات ضمن أصوات الخلفية الطبيعية للحياة اليومية، تماماً كصوت الرياح أو أمواج البحر. ورغم أن هذا التأقلم يبدو كانتصار لإرادة البقاء الفلسطينية، إلا أن علم النفس يحذر من تكلفته الباهظة، فهو تأقلم سطحي ظاهري؛ فبينما يتجاهل العقل الواعي الصوت ليستمر في تفاصيل الحياة يظل العقل الباطن والجسد البيولوجي في حالة استنزاف واحتراق داخلي مستمر.
التعذيب بالضوضاء والإبادة البيئية
تشير التقارير الحقوقية، لا يمكن فصل هذا التلوث الصوتي عن سياق الإبادة البيئية الأشمل، حيث تعتبر هذه المستويات من الضجيج المستمر الذي يصنف كإزعاج بيئي، انتهاكات منظمة وجسيمة للحق في بيئة صحية وآمنة، والحق في الصحة العقلية والجسمانية، وهي حقوق تكفلها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
إن تعمد الاحتلال إبقاء هذا المستوى من الضجيج، وإشباع الفضاء الفلسطيني بهذا التلوث السمعي، يندرج ضمن سياسات العقاب الجماعي والتعذيب النفسي المحظورة بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب ووفقا للقانون الدولي الانساني لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب.
إن الطائرات بدون طيار في سماء غزة لا تقتل فقط عندما تطلق صواريخها، بل تقتل ببطء من خلال أزيزها المستمر. إنها تسرق السكينة، وتلوث البيئة السمعية، وتغتال حق الفلسطينيين في الهدوء والنوم، وبينما ينشغل العالم بإحصاء أعداد الشهداء والجرحى، تبقى 'الزنانة'، وما يرافقها من تأقلم قسري استنزف أرواح الغزيين، دليلاً دامغاً على أن الاحتلال يمارس إبادة شاملة، تستهدف الحجر والبشر وحتى الفضاء الصوتي الذي يحيط بهم.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

























































