اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
في حب الأوطان مواقف لا تحتمل المجاملة، وثوابت لا تقبل المساومة، والأردن بالنسبة لنا ليس مجرد حدود جغرافية أو اسم على خارطة، بل هو حكاية عمر، وكرامة شعب، وتاريخ من التضحيات، ووطن دفع أبناؤه من دمائهم وأرواحهم ثمناً لأمنه واستقراره. ومن هنا، فإن حب الأردن لا ينبغي أن يكون مجرد كلمات نتغنى بها، بل موقفاً واضحاً لا يتغير بتغير الظروف، ولا تهزه الشعارات مهما كان بريقها أو من يرفعها.
لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأوطان ليس دائماً عدواً يقف على حدودها، بل قد يكون خطاباً يتسلل إلى عقول الناس من الداخل، ويتستر خلف عناوين براقة، ويستغل عواطفهم الدينية والوطنية لتحقيق أهداف لا علاقة لها بما يعلنه أصحابها. وما أكثر من يتقنون دس السم في العسل؛ يتحدثون باسم الإسلام، ويرفعون راية الإصلاح، ويتظاهرون بالغيرة على الدين، لكنهم يحولون كل أزمة إلى فرصة، وكل حادثة إلى منصة للتحريض، وكل اختلاف إلى وسيلة لشق الصف وإضعاف الدولة. وحين نمعن النظر في خطاب بعض هذه التيارات، نجد أن الصراع على النفوذ والسلطة يكاد يطغى على كل ما يرفعونه من شعارات.
وليس من حق أحد أن يحتكر الإسلام، أو يمنح نفسه صكوك الوطنية، أو يصنف الناس بين مؤمن وخائن لمجرد اختلافهم معه في الرأي والموقف. فالدين أعظم من أن يكون غطاءً لمشاريع حزبية، والوطن أكبر من أن يكون ورقة في يد أصحاب الطموحات السياسية. ومن أراد خدمة الإسلام فليخدمه بأخلاقه وصدقه وعمله، لا بالتحريض وإثارة الفتن والمتاجرة بمشاعر الناس.
إننا في الأردن نعرف جيداً قيمة الدولة، وندرك أن استقرارها لم يكن يوماً أمراً عابراً أو هبة من أحد، بل هو ثمرة تضحيات متراكمة وحكمة قيادة وتكاتف شعب. ومن واجبنا أن نلتف حول قيادتنا الهاشمية، ونحترم مؤسساتنا الدستورية، ونلتزم بالقوانين والقرارات الوطنية، ونتعامل مع توجيهات الدولة بمسؤولية وثقة، مع الاحتفاظ بحقنا في النقد المسؤول والمطالبة بالإصلاح عبر القنوات المشروعة. فالولاء الحقيقي لا يعني إلغاء العقل، بل يعني أن نضع مصلحة الأردن وأمنه فوق المصالح الشخصية والحزبية والاعتبارات الضيقة.
ولنكن صريحين: ليس كل من رفع شعار الدين ناصراً له، وليس كل من انتقد الدولة حريصاً على الوطن، وليس كل من تحدث عن الإصلاح يمتلك مشروعاً حقيقياً للإصلاح. العبرة ليست بما تقوله الألسن، بل بما تكشفه المواقف والنتائج. فهناك فرق كبير بين من يريد وطناً قوياً آمناً يتسع لجميع أبنائه، وبين من يريد وطناً مرتبكاً يفتح له أبواب النفوذ والسلطة.
لسنا ضد الاختلاف، ولسنا ضد النقد، ولسنا ضد المطالبة بالحقوق، لكننا ضد تحويل الدين إلى وسيلة للابتزاز السياسي، وضد استغلال الأزمات لزرع الشكوك في نفوس الأردنيين، وضد كل خطاب يضعف الثقة بالدولة ويهدد السلم المجتمعي.
أقولها بكل وضوح: أنا مع الأردن، مع أمنه واستقراره، مع قيادته الهاشمية، ومع دولته ومؤسساته. لن أسمح لشعار ديني أو خطاب عاطفي أن يجعلني أغفل عن مصلحة وطني، ولن أخلط بين قدسية الدين وأطماع من يتخذونه جسراً للوصول إلى كراسي السلطة.
فالأردن ليس محطة عبور لمشاريع الآخرين، وليس ساحة لتجارب سياسية على حساب أمن أبنائه. هذا وطننا، وهذه دولتنا، وهذه قيادتنا، وسيبقى الأردن أكبر من الأحزاب والتيارات والأشخاص، وأبقى من كل من يظن أن بإمكانه استغلال عاطفة الأردنيين لتمرير مشروعه.
ومن لا يرى في الأردن وطناً يستحق أن نحميه من الفتن والانقسامات، فليُراجع معنى الانتماء قبل أن يحدثنا عن الوطنية والدين.

























































