اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
إن حماية الأحداث من الانجرار وراء الفكر المتطرف مسؤولية وطنية وتربوية وأخلاقية مشتركة، تتطلب تضافر جهود الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية، في ظل عالم تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتعدد فيه مصادر التأثير، وتصبح فيه عقول الناشئة عرضة لأفكار مضللة تستغل حاجاتهم إلى إثبات الذات، واندفاعهم نحو اكتشاف العالم من حولهم؛ فالأحداث بحكم طبيعة المرحلة العمرية التي يمرون بها، يكونون أكثر قابلية للتأثر بالأفكار المحيطة بهم، وأكثر بحثاً عن الهوية والانتماء وإثبات الذات. وقد يستغل أصحاب الفكر المتطرف هذه الاحتياجات، فيقدمون أفكارهم بصورة مضللة، مستثمرين مشاعر الغضب أو الإحباط أو الرغبة في الانتصار على واقعهم، ليقودوا الناشئة تدريجياً نحو العزلة الفكرية ورفض الآخر، وربما تبرير العنف، لا سيما أن التطرف لا يبدأ بالضرورة من فكرة مكتملة أو موقف معلن، بل قد يتسلل إلى النفوس عبر خطاب يستثمر مشاعر الغضب والإحباط، أو يقدم العنف باعتباره وسيلة للانتصار، ويصور الاختلاف بوصفه تهديداً، ويزرع في العقول رفض الآخر والتشكيك في قيم المجتمع وثوابته.
ومن هنا تبرز أهمية التحصين الفكري المبكر، الذي لا يقوم على المنع وحده، وإنما على بناء عقل واعٍ قادر على التفكير النقدي، والتمييز بين الحقائق والأوهام، وفهم الأفكار قبل قبولها أو رفضها.
والسؤال الأهم هنا: ليس كيف نمنع الأحداث من الوصول إلى الأفكار المتطرفة فحسب، وإنما كيف نبني لديهم مناعة فكرية وأخلاقية تجعلهم قادرين على التمييز بين الفكر السليم والفكر المنحرف.
وهنا يأتي دور الأسرة باعتبارها الحاضنة الأولى للتنشئة وخط الدفاع الأول في مواجهة الفكر المتطرف، فالأسرة التي تقوم على الحوار والثقة والاحتواء، وتمنح أبناءها مساحة للتعبير عن آرائهم وتساؤلاتهم؛ لتعرف أفكارهم، وتقوم بأدوارها الحقيقية في التربية لا الاكتفاء بالإنجاب تكون أكثر قدرة على حمايتهم من التأثيرات السلبية. كما أن الحوار المفتوح مع الأبناء، ومتابعة اهتماماتهم الرقمية، وفهم ما يشغل تفكيرهم، كلها أمور تساعد على اكتشاف أي تغيرات فكرية أو سلوكية في وقت مبكر.
أما المؤسسات التربوية والثقافية على حد سواء وفي مقدمتها المدارس والجامعات، فإن دورها يتجاوز نقل المعرفة إلى بناء الشخصية المتوازنة، وتنمية قيم التسامح والاعتدال واحترام القانون والتعددية، وإكساب الطلبة مهارات التعامل مع المعلومات الرقمية، والتحقق من مصادرها، ومواجهة خطاب الكراهية بالحجة والمنطق. كما أن الأنشطة الثقافية والرياضية والتطوعية تفتح أمام الأحداث آفاقاً إيجابية للتعبير عن قدراتهم، وتمنحهم شعوراً حقيقياً بالمشاركة والمسؤولية؛ فالطالب الذي يمتلك القدرة على التحليل والمناقشة والتحقق من المعلومات، يكون أقل عرضة لتصديق الخطابات المضللة أو الانجراف وراء الشعارات المتطرفة.
كما أن للمؤسسات الدينية دوراً مهماً في تقديم خطاب معتدل وواعٍ ومستنير، يرسخ القيم الإنسانية الأصيلة ويعزز الفهم الصحيح للدين، ويؤكد قيم الرحمة والعدل وكرامة النفس، ويواجه التأويلات المنحرفة - التي تستغل النصوص الدينية لتبرير العنف والإقصاء - بالحجة والمنطق بعيداً عن التعميم أو التشدد.
أما المؤسسات الإعلامية فينبغي أن تحترم عقول المشاهدين وأن تتحمل مسؤولياتها الحقيقية في الاهتمام بما يجب أن يبني الإنسان لا بما يجب أن يهدمه، عليها نشر الوعي الهادف لمكافحة التطرف وخطاب الكراهية، وتقديم نماذج إيجابية تعزز الانتماء الوطني والإنساني، فطبق اليوم لا يبني عقولاً، واستضافة (المايع) فلان لا تصقل شخصية وازنة ولا تبني هوية وطنية راسخة.
ولا يمكننا في هذا السياق إغفال الدور المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت من أبرز مصادر التأثير في الأحداث. فهذه المنصات، على الرغم من فوائدها الكبيرة، قد تتحول إلى بيئة خصبة لنشر خطاب الكراهية والتضليل والتطرف. ولذلك، فإن المطلوب هو تعزيز الوعي العام لدى الناشئة والوعي الرقمي على وجه الخصوص، وتعليمهم كيفية التحقق من المعلومات ومصادرها، وعدم الانسياق وراء المحتوى المضلل الذي يُغيب الفهم أو يدعو إلى العنف والإقصاء ويشجع خطاب الكراهية والتطرف.
إن مواجهة الفكر المتطرف وتحصين الأحداث منه لا يتحقق بالردع وحده، ولا بالتشدد الذي قد يدفع إلى مزيد من التطرف، بل يتحقق بالتربية الواعية، والاحتواء المسؤول، وإشاعة ثقافة الحوار، وتوفير بيئة يشعر فيها الناشئ بقيمته ومكانته. فالعقول التي تتسلح بالعلم الحقيقي لا بمجرد الشهادات، والنفوس التي تنشأ على محبة الاخر والاعتدال وتقبل الاختلاف، واحترام كرامة الإنسان، هي الأقدر على مقاومة الأفكار المنحرفة، أما الابلاغ عن كل ضال مُضل فهو واجب لا يقل أهمية عن كل ما سبق.
ومن هنا، فإن الاستثمار في وعي الأحداث هو استثمار في أمن المجتمع واستقراره ومستقبله؛ فكلما نجحنا في بناء جيل واعٍ، يمتلك القدرة على التفكير السليم، ويحترم الإنسان والاختلاف، ويؤمن بقيم الحوار والاعتدال، كنا أكثر قدرة على حماية مجتمعنا من التطرف، وتعزيز أمنه واستقراره وتماسكه، كما أن كل عقل نحميه من التضليل، وكل قيمة نغرسها في وجدان الناشئة، وكل فرصة نمنحهم فيها للتعبير والمشاركة، تمثل خطوة نحو مجتمع أكثر تماسكاً، وأقدر على مواجهة التطرف بالفكر، والكراهية بالمحبة، والانحراف بالوعي والمسؤولية.

























































