اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، تبدو غزة مختلفة في كل شيء تقريباً. أحياء تغيرت ملامحها، عائلات فقدت أفراداً منها، وآلاف المصابين يعيشون بإصابات سترافقهم طويلاً. الحرب لم تترك قطاعاً من الحياة إلا وأثرت فيه: السكن، التعليم، الصحة، العمل، والمياه، فيما تحولت حياة مئات الآلاف إلى سلسلة من النزوح والبحث عن الاحتياجات الأساسية.
ولا تختصر أعداد الشهداء والمصابين حجم ما جرى. فخلف كل اسم عائلة، وخلف كل إصابة حياة جديدة فرضتها الحرب على صاحبها. طفل فقد أحد والديه، أم تنتظر خبراً عن ابنها، ومريض تعطّل علاجه، وعائلة اضطرت إلى مغادرة منزلها أكثر من مرة. هذه التفاصيل هي الوجه الذي لا تظهره الإحصاءات.
ومع ذلك، لا يمكن قراءة السابع من أكتوبر باعتباره نقطة البداية. فقد سبقته سنوات من الاحتلال والحصار والاستيطان والاقتحامات والاعتقالات ومصادرة الأراضي والتهجير.
وفي المقابل، فإن ما جرى بعده فتح مرحلة مختلفة تماماً، دفعت غزة خلالها ثمناً بشرياً وعمرانياً هائلاً. فصل الحدث عن سياقه ينتج رواية ناقصة، وتحويله إلى ذريعة لتجاهل ما سبقه لا يفسر الصراع، كما أن تجاهل ما حدث في ذلك اليوم لا يقدم قراءة جادة للمشهد.
أمام هذه الصورة، يتحمل الإعلام الفلسطيني مسؤولية توثيقية أساسية. المطلوب ليس مراكمة الأخبار، بل حفظ المادة التي قد تصبح لاحقاً المرجع الأساسي لفهم هذه المرحلة: أسماء الشهداء، شهادات الناجين، أوضاع المستشفيات، آثار النزوح، حجم الدمار، وتغير حياة الناس. التوثيق الدقيق أقوى من المبالغة، والشهادة الموثقة أبقى من الخطاب العاطفي.
في المقابل، أحدثت الحرب تحولاً واضحاً في حضور القضية الفلسطينية دولياً. فقد توسع النقاش حول حقوق الفلسطينيين، وبرزت تحركات قانونية ودبلوماسية ضد إسرائيل، كما تغيرت مواقف حكومات ومجتمعات في عدد من الدول. لكن هذه التطورات، مهما بلغت أهميتها، لا تعني شيئاً للفلسطيني إذا لم تنعكس على حياته اليومية.
فما بعد الحرب لن يكون مجرد إزالة للركام. غزة تحتاج إلى مستشفيات ومدارس ومساكن وفرص عمل، وإلى عودة النازحين واستعادة الخدمات الأساسية. والأهم أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تنجح من دون معالجة الظروف السياسية التي أبقت القطاع طوال سنوات في دائرة الحصار والحروب المتكررة.
أما على المستوى الفلسطيني، فقد أظهرت الحرب أن الانقسام أصبح عبئاً أكبر من أي وقت مضى. المرحلة المقبلة تحتاج إلى ترتيب واضح للأولويات: حماية الناس، الإغاثة، الإعمار، ثم بناء موقف سياسي قادر على التعامل مع المتغيرات التي فرضتها الحرب.
وبعد ثلاث سنوات، لا تبدو المسألة في سؤال من يملك الرواية الأقوى، بل في القدرة على حفظ الوقائع كما عاشها أصحابها. فالأسماء يجب ألا تضيع، والشهادات يجب ألا تُدفن مع البيوت المهدمة، وما حدث يجب أن يبقى موثقاً للأجيال القادمة.
غزة لا تحتاج إلى أن تُروى باعتبارها مكاناً للموت فقط. خلف الركام مجتمع يريد استعادة حياته، وطلاب يريدون العودة إلى مقاعدهم، ومرضى يريدون العلاج، وعائلات تريد بيتاً آمناً. وهذه هي القضية التي يجب أن تبدأ منها أي قراءة للعام الرابع: كيف ينتقل الفلسطيني من البقاء إلى الحياة.

























































