اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
في 29 سبتمبر 2026 وقّع رئيس أقوى دولة في العالم أمرًا تنفيذيًا بعنوان 'تدشين عصر الذكاء الفائق'، لم يبنِ فيه مصنعًا ولم يحرّك جيشًا. وجّه الأمر للوزارات والوكالات الفيدرالية إلى استخدام مصطلحي Super Intelligence وSI بدل Artificial Intelligence وAI في وثائقها، وكلّف مستشار الرئيس للعلوم والتكنولوجيا باقتراح تعريف اتحادي للمصطلح، مع بقاء التعريف القانوني القائم للذكاء الاصطناعي. فهو لا يعلن تحقق الذكاء الفائق علميًا، بل يغيّر لغة السلطة التنفيذية. تغيّر الاسم ولم تتغير الآلة، لكن الدول لا تغيّر الأسماء بالمصادفة؛ فحين تُسمّى القوة تتحرك نحوها الأموال والمؤسسات، وتتوجه التوقعات والاستثمارات، ويصبح السؤال: من يملك النماذج والرقائق ومراكز البيانات والطاقة، ومن يحدد شروط الوصول إليها؟
لم تعد المنافسة بين الدول تُقاس بالنفط والممرات البحرية والجيوش فقط، فقد برزت قوة جديدة تتشكل بهدوء: من يفكر ويبتكر ويقرر أسرع من منافسيه؟ ومن يضع القواعد التي تحكم هذا الذكاء ويملك حق توجيه قراراته؟
ولا بد هنا من التمييز بين المفاهيم. فالذكاء الاصطناعي اليوم يحلل البيانات ويكتب النصوص والبرمجيات ويساعد في التشخيص لكثير من الخدمات، وبدأ ينفذ مهام مترابطة باستقلالية متزايدة؛ والذكاء العام أنظمة قد تضاهي الإنسان في طيف واسع من القدرات؛ والذكاء الفائق قدرة تتجاوز أفضل القدرات البشرية في معظم المجالات. وهي مستويات مختلفة وليست مراحل حتمية، لكن عدم اليقين بشأن توقيتها لا يبرر الانتظار، فالاستثمارات والتنافس الاستراتيجي قائمان فعلًا. وكما أعادت الثورة الصناعية والنفط رسم موازين النفوذ، قد يعيد الذكاء الاصطناعي توزيع القوة في هذا القرن، إذ قد تتفوق الدولة التي تحسن توظيفه على دول أكبر منها سكانًا وموارد.
وفي هذا السباق، لا تكتفي الصين بتقليد النموذج الأميركي، بل تدمج الذكاء الاصطناعي في الصناعة والروبوتات والخدمات اللوجستية، وتتبنى توجه 'الذكاء الاصطناعي بلس' والذكاء المتجسد الذي يربطه بالعالم المادي. فالتفوق قد يكون لمن يحوّل الذكاء إلى إنتاجية وتصدير لا لمن يملك النموذج الأذكى في اختبار بعينه؛ والقوة الحقيقية في منظومة تحوّل المعرفة إلى قدرة اقتصادية وعسكرية وسياسية، لا في الخوارزمية وحدها.
غير أن العقدة تكمن في تصنيع الرقائق. فشركة ASML الهولندية وحدها طورت تجاريًا آلات الأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) اللازمة لأدق الرقائق، بينما تنتج آلات الأشعة فوق البنفسجية العميقة (DUV) أجيالًا أخرى. فهل أنتجت الصين مثلها؟ يقول البعض: ليس بعد. وتفيد بعض التقارير بإنتاج محدود لآلات DUV محلية التطوير، وتستهدف انتاج عشرين في 2027، بينما تراه مصادر أخرى أقرب إلى 2030، وتشير التقديرات البحثية أن الفجوة ما زالت واسعة، فالمهم الإنتاج التجاري الكبير لا النماذج التجريبية. وهذا يؤكد أن المعرفة التكنولوجية أصبحت أصلًا استراتيجيًا.
وخطورة السباق أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعًا منعزلًا، بل تقنية عامة تدخل في الاكتشافات وتصميم المواد وتطوير البرمجيات وشبكات الكهرباء وسلاسل الإمداد وتحليل المعلومات الاستخبارية، وقد يختصر سنوات من البحث ويخفض كلفة الابتكار. لكن القدرة نفسها تسرّع التضليل والهجمات السيبرانية وأدوات الإيذاء المعقدة. فالتكنولوجيا لا تحمل ضمانة أخلاقية؛ تتحدد آثارها بأهداف من يطورها، والضوابط التي تحكمها، والقدرة على مساءلة من يستخدمها. ولأن المخاطر عابرة للحدود، من الأمن السيبراني إلى فقدان السيطرة على الأنظمة، فإنها تفرض حدًّا أدنى من التعاون حتى بين الخصوم.
وتمتد الآثار إلى بنية المجتمع نفسها. فالتقنية توسّع الفجوة بين من يمتلكها ومن يستهلكها، وتضع الإنسان أمام اختبار جوهري: هل يضاعف قدرته على التفكير أم يصبح تابعًا لإجابات الآلات؟ وهي تفتح للدول آفاقًا لتحسين الإدارة والخدمات، لكنها تمنحها أيضًا أدوات غير مسبوقة للمراقبة والسيطرة، وتختصر زمن القرار العسكري بما قد يضاعف مخاطر الخطأ والتصعيد. فالتحدي لم يعد بامتلاك التقنية وحدها، بل في القدرة على توجيهها وضبطها، حتى لا تتحول من أداة لتحرير الإنسان إلى قوة تنتزع منه قراره ومسؤوليته.
أما الذكاء الفائق فعلينا تجنب تصورين متطرفين: أنه قادم حتمًا ليسيطر على البشر، أو أنه ما زال خيال علمي محض، والحكمة في الاستعداد للاحتمالات عالية الأثر. فماذا لو أصبحت لدينا أنظمة تحسّن أداءها وتكتشف نقاط ضعفنا وتؤثر في قراراتنا وتعمل بسرعة تفوق قدرتنا على المراجعة؟ لا يعني ذلك تمرد الآلات، بل أن توافقها مع الأهداف الإنسانية يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من تطويرها لا معالجة مؤجلة بعد انتشارها. فالخطر في هدف غير منضبط أو صلاحيات واسعة أو وصول إلى بنية حيوية، فيحقق النظام الهدف تقنيًا ويلحق ضررًا بالناس. وقد تأتي السيطرة تدريجيًا من تركّز الحوسبة والبيانات والطاقة في أيدٍ قليلة، حتى يعتمد المجتمع على بنية لا يستطيع فهمها أو مراجعتها أو استبدالها. وكلما ازدادت القدرة ازدادت أهمية الاختبار المستقل وحدود الصلاحيات وإمكانية الإيقاف والرقابة البشرية الفعلية؛ وهنا يظهر حدّ التعهدات الطوعية، فالالتزام الذاتي لا يكفي لتقنية بهذا الأثر.
ولهذا نقف اليوم أمام ثلاثة مسارات قد تتداخل: ازدهار معرفي تتوزع مكاسبه بعدالة، أو عالم شديد التركّز تصبح فيه معظم الدول أسواقًا لا شريكة، أو سباق أسرع من قدرة المؤسسات على الضبط فتتقدم المصالح التجارية والعسكرية على السلامة. وليست هذه أقدارًا محتومة، فقرارات اليوم تحدد الوجهة.
وماذا عن الأردن؟ هل يبقى مستهلكًا لتكنولوجيا ينتجها الآخرون، أم يحوّل محدودية موارده إلى دافع لبناء ميزة معرفية؟ لا يحتاج إلى منافسة واشنطن وبكين في حجم مراكز البيانات، ولا يملك ترف تبديد موارده في سباق مع دول لا يجاريها بأدواته الحالية، لكنه يستطيع أن يصبح ضروريًا في المياه والطاقة والتعليم والصحة والزراعة والخدمات الحكومية والأمن السيبراني، بحلول عربية تراعي اللغة والسياق. وقد جاءت التوجيهات الملكية استشرافية في هذا الاتجاه؛ ففي يناير 2025 صدر تكليف ملكي لرئيس الوزراء بتشكيل 'المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل' بمتابعة وإشراف من سمو ولي العهد، لتطوير البحث العلمي والابتكار ودعم الريادة وجذب الاستثمارات وجعل الأردن نموذجًا إقليميًا في الاقتصاد الرقمي. فالدول الصغيرة لا تحتاج دائمًا إلى أكبر التكنولوجيا، بل إلى أن تصبح ضرورية في مجال محدد.
وأستذكر هنا تجربة شخصية أعتز بها. ففي عام 2019، خلال جلسة حوارية مع معالي عاطف التل حول مستقبل التكنولوجيا وضرورة أن تكون الجامعات الأردنية في موقع الريادة لا التلقي، تبلورت فكرة إنشاء كلية متكاملة للذكاء الاصطناعي بدل تشتته كتخصصات في الجامعات الاردنية. وسرعان ما حولنا الفكرة إلى واقع، وبدأت الكلية التدريس في جامعة البلقاء التطبيقية بأربعة تخصصات في العام الجامعي 2019/2020، لتكون أول كلية متكاملة للذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبُنيت جسور تعاون مع كوريا الجنوبية وشركة هواوي وجهات أخرى لإعداد جيل ينافس في عالم سريع التحول. والدلالة أن استشراف المستقبل يمكن أن يصبح قرارًا مؤسسيًا وبرنامجًا تعليميًا، وأن المبادرة المبكرة تتيح اللحاق بالتطور بدل انتظار نتائجه.
لكن المبادرات المتفرقة لا تكفي؛ فالخريجون لا يصنعون اقتصاد معرفة إن غابت فرص العمل والتمويل والبنية والبيئة التي تحوّل الأفكار إلى شركات ومنتجات، وشراء الأنظمة الجاهزة لا يعادل القدرة على تطويرها.
المطلوب الانتقال من تعليم الذكاء الاصطناعي كتخصصًا أكاديميًا إلى منظومة وطنية تربط الجامعة بالبحث، والبحث بالصناعة، والصناعة بحاجات الدولة والأسواق الإقليمية. ويكون ذلك عبر برنامج تنفيذي، على سبيل المثال، يختار ثلاثة تحديات وطنية بمشروعات تجريبية قابلة للقياس وميزانية معلنة وتقييم مستقل؛ ويطوّر مسارات تعليمية مرنة ومناهج للتفكير الحاسوبي والأمن الرقمي والأخلاقيات، ويؤهّل المعلمين ويعيد تدريب العاملين؛ ويدعم الشركات الناشئة بتمويل مرتبط بالإنجاز لا بالعلاقات؛ ثم يوسّع المشروعات التي ثبتت جدواها ويبني شراكات دولية قائمة على التطوير المشترك ونقل المهارات لا استيراد التقنية فقط؛ مع إطار وطني للحوكمة وحماية البيانات والمساءلة، ولوحة مؤشرات سنوية معلنة. كما يمنح بناء بيانات ونماذج تراعي العربية واللهجات والسياق المحلي ميزة عملية لا تقدمها النماذج العالمية بالقدر نفسه، مع حوافز لإشراك الكفاءات الأردنية في الخارج. وتبقى السيادة الرقمية قدرةً على الاختيار وفهم المخاطر وتجنب الارتهان لمورد واحد، لا إنتاج كل شيء محليًا.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم متى يظهر الذكاء الفائق، بل ماذا سنفعل بقدرة تتجاوز قدراتنا في التفكير والاكتشاف والتأثير. فالتقدم التقني لا يضمن التقدم الأخلاقي، وتوزيع القوة واستخدامها قرار سياسي وأخلاقي. والأردن ليس مضطرًا إلى انتظار المستقبل، بل يستطيع أن يبدأ صناعته اليوم، من المدرسة والجامعة والمختبر، بقرار يعتبر المعرفة أصلًا استراتيجيًا لا بندًا ثانويًا في الموازنة؛ فالانتقال من الاستهلاك إلى إنتاج الحلول لن يتحقق بالشعارات، بل بالتعليم النوعي والبحث التطبيقي والمساءلة والقدرة على التنفيذ. وفي زمن قد تعيد فيه الخوارزميات توزيع النفوذ والثروة، لن يكون السؤال من يمتلك أحدث آلة، بل من يمتلك العقل والمؤسسات اللذين يعرفان كيف يستخدمانها ولمصلحة من. فالتحدي الأكبر ليس أن نصبح أقل ذكاءً من الآلات، بل ألا تتحول قلة تملك الآلات إلى قلة تملك حق تقرير مستقبل الجميع.
الغد

























































