اخبار لبنان
موقع كل يوم -نافذة العرب
نشر بتاريخ: ٢١ أيلول ٢٠٢٦
تشهد خدمات التقنية تحولاً جوهرياً في نموذج التسعير، حيث ينتقل التركيز من تسعير بناءً على الوقت والموارد إلى تسعير مستند على النتائج الفعلية، بدعم من وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين أدخلوا تغييرات نوعية في تطوير البرمجيات وتحليل البيانات وتحديث الأنظمة.
على مدى سنوات، كانت تكلفة خدمات التقنية تعتمد أساساً على عدد ساعات العمل والموارد البشرية المطلوبة، مثل عدد المهندسين وحجم الفريق. لكن مع توسع أدوار وكلاء الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكان الشركات تقييم خدمات التقنية بناءً على مخرجات قابلة للقياس، مثل تقليل زمن إنجاز المشروع، خفض التكاليف، وتحسين الإنتاجية والأداء.
فيديريكو بينوفي، الرئيس التنفيذي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة «غلوبانت»، يشير إلى أن التوجه الجديد يعكس تغيراً في أولويات مجالس الإدارات، حيث تضاعف الاهتمام حاليا في قياس الأثر التجاري للاستثمارات في الذكاء الاصطناعي بدلاً من مجرد اعتماد التقنية نفسها. وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، وصف بينوفي السوق بأنه أصبح أقل تقبلاً للضجة التقنية وأكثر تركيزاً على النتائج القابلة للإثبات.
تعتمد «غلوبانت» في نموذجها الجديد على فرق عمل مدمجة تجمع مهندسين ذوي مهارات متخصصة مع وكلاء الذكاء الاصطناعي، مع تقديم تسعير مرن يستند إلى المخرجات أو استهلاك الموارد بدلاً من الاعتماد فقط على ساعات العمل أو المقاعد البرمجية. وأعلنت الشركة أن إيرادات منصة «Glob.AI» السنوية المتكررة قفزت من 32.8 مليون دولار في مارس 2026 إلى 52.8 مليون دولار في يونيو من ذات العام، مسجلة زيادة بنسبة 60% خلال ثلاثة أشهر فقط، وتتوقع أن تتجاوز 110 ملايين دولار بحلول نهاية العام. وتضيف الشركة أن هوامش الربح الإجمالية لهذا النموذج تفوق نظيرتها في نموذج الخدمات التقليدي بنحو عشر نقاط مئوية، نتيجة الكفاءة العالية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي.
مع ذلك، يظل نجاح ربط السعر بالنتيجة مرتبطًا بطبيعة المشروع؛ فالمهام المتكررة والكبيرة الحجم ذات الأهداف الواضحة هي الأكثر ملاءمة لهذا النموذج، بينما تظل النماذج التقليدية قائمة في الحالات التي يصعب تحديد النتائج مسبقًا. ومن بين أمثلة التطبيقات التي تقدمها «غلوبانت» تحديث الأنظمة القديمة، حيث تمكن وكلاء الذكاء الاصطناعي من خفض زمن تنفيذ بعض عمليات التحديث بنسبة تصل إلى 80%. وأبرزت الشركة حالة مصرف تجاري تمكن من إنهاء ترحيل نظام قائم على لغة «COBOL» في غضون شهرين، مقارنة مع التقديرات السابقة التي كانت تشير إلى 14 شهراً باستخدام الأساليب التقليدية.
تؤكد «غلوبانت» أن نموذج الذكاء الاصطناعي ساهم في تقليل التكاليف بنسبة 50% وتسريع الوصول إلى السوق بمعدل الضعف في بعض أنواع تطوير البرمجيات، كما ارتفعت إنتاجية وحدات العمل التي تعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي بنسبة تزيد على 30% مقارنة بنماذج تستخدم مهندسي برمجيات مزودين بأدوات ذكاء اصطناعي تقليدية، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام تنطبق على حالات محددة وليست مؤشراً عاماً لكل المشاريع.
وفي قطاع الأبحاث الدوائية، حققت شركة «PharmaMar» تسريعاً في نتائجها الخاصة بمجال الأورام بمعدل يصل إلى 15 مرة، بينما تمكنت شركة «YPF» من تقليص الوقت اللازم لبعض عمليات العقود بنسبة تصل إلى 40%. كما سجل الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» زيادة في كفاءة إنتاج المخرجات بنسبة 20%، مع المحافظة على جودة النتائج أو تحسينها.
ويركز بينوفي على التمييز بين المهام التي يمكن تفويضها لوكلاء الذكاء الاصطناعي والقرارات الحيوية التي يجب أن تظل تحت سيطرة متخصصة بشرية. فمعالجة كميات ضخمة من البيانات أو التفاعلات الروتينية يمكن أتمتتها بدرجة كبيرة، لكن اتخاذ قرارات تتعلق بالشكاوى الحساسة أو النتائج البحثية المؤثرة في القرارات السريرية أو الحالات التنظيمية في المؤسسات المالية تظل بحاجة إلى حكم بشري واضح. ويصف بينوفي دور الإنسان بأنه طبقة حوكمة ومساءلة لا تكتفي بمراقبة العمليات الآلية فقط.
ويؤدي هذا الفصل بين التنفيذ والحكم إلى تغيير في طبيعة وظائف المهندسين والاستشاريين، حيث يتحول دورهم إلى تصميم تدفقات عمل لوكلاء الذكاء الاصطناعي، ومراقبة النتائج، وإدارة الاستثناءات، وشرح النتائج وربطها بأهداف الشركة. وتشير «غلوبانت» إلى تراجع الطلب على المهام المتكررة التي يمكن أتمتتها، بينما يرتفع الطلب على المتخصصين القادرين على دمج المعرفة التقنية مع مهارات الذكاء الاصطناعي وإدارة الحوكمة البشرية. وذكر أن 83% من معماريي وحدات الذكاء الاصطناعي المستهدفين في «غلوبانت» قد أكملوا برامج تدريبية مطلوبة حتى عام 2025، وأن خبراء المجالات المتخصصة تجاوزوا الأهداف التدريبية المحددة.
في السعودية ودول الخليج، تضيف المتطلبات التنظيمية وتعقيدات السيادة الأمنية طبقة تحكّم إضافية على طرح حلول الذكاء الاصطناعي. ويبرز تحدي الحفاظ على الأمن السيبراني والامتثال خصوصاً في القطاعات المالية والصحية والحكومية. وتوضح الشركة أن منصتها المؤسسية تدير أكثر من 140 نموذجاً لغوياً كبيراً، مع إمكانية التحكم الكامل في مواقع معالجة البيانات ومسارات انتقالها، مؤكدة أن بيانات العملاء لا تُرسل إلى مزودي النماذج الخارجية بطريقة تسمح باستخدامها في التدريب أو الاحتفاظ بها.
ويشير بينوفي إلى أن ضبط مكان معالجة البيانات وكيفية انتقالها يمكن أن يساعد في الالتزام بالقوانين السعودية، مثل نظام حماية البيانات الشخصية ومتطلبات الجهات التنظيمية مثل البنك المركزي السعودي. ويستعرض أمثلة على تطبيقات محتملة تشمل خفض تكلفة تقديم الخدمة في مؤسسة مالية سعودية، وتسريع تحليلات في مؤسسة صحية، أو تقليص زمن معالجة الخدمات في منشأة خاضعة للتنظيم، مع التأكيد على ضرورة تصميم وكلاء الذكاء الاصطناعي للعمل ضمن حدود صارمة للبيانات والامتثال.
وبينما تزداد أهمية سرعة وكفاءة وكلاء الذكاء الاصطناعي، يؤكد بينوفي أن التحدي الحقيقي يكمن في تحديد وتعريف «النتيجة الناجحة» بدقة، وفصل القرارات المناسبة للتفويض من تلك التي تتطلب سلطة بشرية. وهذا التحول لا يعني بالضرورة استبدال المهندسين بالذكاء الاصطناعي، بل إعادة تشكيل ماهية ما تدفع الشركات مقابله، من موارد تنفيذية إلى نتائج ملموسة، مع تحمل مقدم الخدمة مسؤولية تلك النتائج بشكل واضح وموثق











































































