اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٣ كانون الثاني ٢٠٢٦
نوال أبو حيدر
في ظلّ الأزمة المالية الخانقة التي يعيشها لبنان منذ عام 2019، وما رافقها من انهيار غير مسبوق في سعر صرف الليرة وتآكل حاد في القدرة الشرائية، عاد ملف رواتب موظفي القطاع العام إلى صدارة النقاش العام مع إعلان وزير المالية عن توجّه رسمي لرفعها تدريجيا ابتداء من العام المقبل. هذا الإعلان، وإن حمل بارقة أمل لشريحة واسعة من الموظفين الذين تراجعت مداخيلهم إلى مستويات قياسية، أعاد فتح باب واسع من التساؤلات حول طبيعة هذه الزيادات، حجمها الفعلي، ومدى قدرتها على تعويض الخسائر التي تكبّدها الموظفون خلال السنوات الماضية.
فبينما يترقّب موظفو القطاع العام أي خطوة من شأنها تحسين أوضاعهم المعيشية، تبرز مخاوف جدّية من الانعكاسات النقدية والاقتصادية لأي زيادة غير مدروسة، ولا سيما في ظل هشاشة الاستقرار النقدي القائم حاليا. إذ إن ضخ السيولة بالليرة اللبنانية في الرواتب، في غياب إصلاحات بنيوية شاملة، قد يؤدي إلى ارتفاع جديد في معدلات التضخم وتراجع إضافي في القدرة الشرائية، ما يفرغ هذه الزيادات من مضمونها.
وبين التفاؤل الحذر الذي يبديه المسؤولون، والتحذيرات التي يطلقها خبراء الاقتصاد من مغبة التسرّع في اتخاذ قرارات شعبوية، تبقى الصورة ضبابية حتى الساعة، بانتظار حسم الأرقام النهائية، وتحديد مصادر التمويل، ووضع خطة متكاملة توازن بين تحسين أوضاع الموظفين والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي. وفي غياب هذه المقاربة الشاملة، يبقى ملف رواتب القطاع العام رهينة التجاذبات الاقتصادية والسياسية، وسط ترقّب واسع لما ستحمله المرحلة المقبلة.
بين زيادة الأجور وواقع المالية العامة
عن الرقم المتوقع لزيادة الرواتب، تقول الخبيرة الاقتصادية الدكتورة ليال منصور لصحيفة «اللواء» إنه «يجب النظر إلى ما يتم دراسته من قبل الجهات المسؤولة»، توضح أن «من خلال خبرتها منذ أواخر العام 2012، وفي حكم موقعها كمستشارة لوزير العمل السابق الوزير شربل نحاس، كانوا فريقا كبيرا يعمل على زيادة الحد الأدنى للأجور الذي كان يبلغ 300 ألف ليرة فقط. وقد مرّوا بالعديد من الدراسات والتحليلات والاجتماعات إلى أن توصلوا إلى مبلغ مليون وخمسين ألف ليرة، إلّا أنه تم إقرار 675 ألف ليرة حينها. وتشدّد على أن موضوع الرواتب والأجور أمر بالغ الأهمية، ويجب أن يُبنى على العديد من المؤشرات».
وتتابع: «لا يمكن أن نقول حتى آخر لحظة، لأننا عملنا في هذا الخصوص، وفي آخر المطاف انصدمنا بالتصويت على الرقم الذي أُقرّ. ولكن ما أستطيع قوله هو أنه من الصعب جدا أن تعود رواتب القطاع العام كما كانت قبل الأزمة، ويعود السبب إلى أن الراتب كانت متضخمة جدا، وتحديدا في الزيادة التي حصلت في أوائل العام 2019».
زيادات ضرورية... لكن بشروط اقتصادية
وفي سياق متصل، ترى منصور أنه «هناك نقطة مهمة تتمثل في أننا شهدنا زيادة في رواتب القطاع العام بعد الأزمة، وهو أمر طبيعي وحق مكتسب، إذ يجب أن تعدّل الرواتب وتتحسّن في ظل التضخم الكارثي. فبطبيعة الحال، تقرّ الزيادات إما لمواكبة التضخم الحاصل أو نتيجة ارتفاع الإنتاجية. أما عندما تكون الزيادة غير ناتجة عن تحسّن في الإنتاجية، فإن ذلك يؤدي تلقائيا إلى مزيد من التضخم».
ومن هنا، تضيف: «تكمن الحلول في اعتماد نظام مجلس النقد، أو إنشاء صندوق لتثبيت سعر الصرف، أو اللجوء إلى الدولرة الشاملة. فهذه هي الحلول الشاملة التي تمكّن من زيادة الرواتب من دون التسبب بتضخم كارثي في العملة».
السؤال الجوهري: القدرة والاستدامة
وأمام كل تلك المعطيات، تعتبر منصور أن «الأهم من ذلك هو أن نعرف ما إذا كانت الدولة اللبنانية تمتلك أموالا كافية لرفع رواتب القطاع العام. فحتى لو جاءت هبة من أي بلد كان، يبقى السؤال: هل لدينا خطة إنمائية أو إصلاحية واضحة؟ وهل الخارج راضٍ عن أدائنا؟ والأهم، هل نضمن استمرارية زيادة الرواتب من دون التسبب بتضخم؟».
زيادة مشروطة بالإصلاح والمحاسبة
عليه، توضح منصور أنه «هناك علاقة مهمة جدا بين رفع الرواتب وهيكلة القطاع العام، إلّا أن الهيكلة لا تتوقف فقط على مسألة زيادة الرواتب، بل ترتبط أيضا بالتأكد من أن جميع الموظفين يقومون بعملهم فعليا، إذ إن كثيرين لا يعملون، كما أن هناك مؤسسات لا وجود فعليا لها، مثل سكك الحديد ومديرها العام وغيرها. وهذه هي البطالة المقنّعة التي نتحدث عنها، أي كل من يتقاضى راتبه من دون أن يعمل. كذلك، يجب محاسبة الفساد والتخفيف من الرشاوى والهدر المالي الذي يحصل».
في خلاصة الأمر، تختم: «أنا مع زيادة الرواتب والأجور، ولكن عبر المحاسبة والتدقيق والتخفيف من الفساد. وبالنسبة للتداعيات، يجب أن نرى ما إذا كانت الحكومة تمتلك أموالا كافية لزيادة الرواتب، وما إذا كان القطاع فعلا منتجا».











































































