اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٨ أب ٢٠٢٦
خط الملف
لكن القضية لم تعد تتعلق بالاتهامات الموجهة إلى دبور وحده، ولا بطلب السلطة الفلسطينية استرداده من لبنان، بعدما دخل وضعه الصحي المتدهور على خط الملف، وبدأت تظهر إلى العلن رواية أخرى تتحدث عن خلافات داخل دوائر القرار الفلسطيني، وعن اتهامات متبادلة بين شخصيات كانت تعمل في إطار المؤسسة نفسها قبل أن تنفجر الخلافات بينها.
ويرقد دبور حالياً في مستشفى 'أوتيل ديو' في بيروت، وسط تأكيد عائلته أن حالته الصحية بالغة الخطورة وأنه يحتاج إلى عملية قلب مفتوح، في وقت تتواصل فيه الإجراءات اللبنانية المتعلقة بطلب تسليمه إلى السلطة الفلسطينية.
وبحسب ما أوردته صحيفة 'الأخبار' اللبنانية، أنجز النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج مطالعته بشأن القضية، وأحال تقريراً إلى وزير العدل عادل نصار، متضمناً توصية بالموافقة على تسليم دبور إلى رام الله.
ومن هنا بدأت القضية تكتسب أبعاداً تتجاوز الملف القضائي المباشر، لأن الرجل المطلوب من السلطة الفلسطينية اليوم ليس معارضاً جاء من خارج مؤسساتها، ولا شخصية سياسية ظلت طوال السنوات الماضية في مواجهة معها، وإنما مسؤول سابق أمضى أكثر من عقد ممثلاً لها في لبنان، وكان جزءاً من تركيبتها السياسية والإدارية طوال تلك الفترة.
وهذه الحقيقة تحديداً تجعل التعامل مع قضية دبور باعتباره مجرد 'ضحية للسلطة' قراءة ناقصة، كما أن التعامل معه باعتباره متهماً بالفساد لمجرد صدور اتهامات بحقه لا يكفي للحسم في القضية.
عمل دبور سفيراً للسلطة الفلسطينية في لبنان لنحو 14 عاماً، وهي فترة طويلة تجعله واحداً من أكثر المسؤولين معرفة بتفاصيل العلاقة بين السلطة والملف الفلسطيني في لبنان، وبالقرارات والشخصيات والملفات التي مرت خلال سنوات وجوده في السفارة.
وفي حزيران/يونيو 2025، أصدر الرئيس محمود عباس قراراً بإعفائه من مهامه وإنهاء مناصبه الرسمية، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة تحولت فيها العلاقة بين الطرفين من علاقة مسؤول بالمؤسسة التي يمثلها إلى علاقة متهم بجهة تطالب باسترداده والتحقيق معه.
وتقول السلطة الفلسطينية إن القضية مرتبطة بملفات مالية وإدارية واستغلال للمنصب خلال فترة عمله الدبلوماسي، بينما تنفي عائلة دبور هذه الاتهامات وتؤكد أن مراجعة حساباته وأوضاعه المالية لم تثبت، وفق روايتها، وجود مخالفات من النوع الذي تتحدث عنه الملاحقة.
لكن رواية العائلة لا تتوقف عند نفي الاتهامات. ابنة دبور، إيناس، تقول إن والدها دخل في خلافات مع ياسر عباس، نجل رئيس السلطة محمود عباس، وإن هذه الخلافات ارتبطت بملفات وقضايا يقول دبور إنه كشف عنها وتطال جهات نافذة داخل السلطة.
تصفية حسابات سياسية وشخصية
وتذهب العائلة إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن ملاحقة دبور جاءت في إطار ما تصفه بتصفية حسابات سياسية وشخصية، ومتهمة ياسر عباس باستخدام نفوذه لملاحقة السفير السابق.
هذه الاتهامات تبقى رواية العائلة ولا تشكل بحد ذاتها دليلاً قضائياً على دوافع القضية، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن تجاهلها، لأنها تضع ملف دبور في سياق أوسع من مجرد قضية مالية، وتطرح سؤالاً حول طبيعة الخلاف الذي انتهى بوصول الرجل إلى موقع المتهم والمطلوب للاسترداد.
فدبور كان رجل السلطة في لبنان لسنوات طويلة، وعمل سفيراً في عهد محمود عباس، واستمر في موقعه طوال هذه الفترة ممثلاً رسمياً للسلطة، ما يعني أنه كان جزءاً من المنظومة التي يتحدث اليوم عن وجود فساد داخلها ، ولهذا فإن أي محاولة لتقديم الخلاف الحالي باعتباره معركة بين 'فاسد' و'كاشف فساد' ستكون تبسيطاً للمشهد.
إذا كانت هناك مخالفات ارتكبها دبور خلال سنوات عمله، فمن حق الفلسطينيين معرفة حقيقتها، ومن واجب القضاء محاسبته إذا ثبتت مسؤوليته عنها.
وفي المقابل، إذا كانت لديه معلومات أو وثائق حول فساد تورطت فيه شخصيات أخرى، فمن حق الفلسطينيين أيضاً معرفة هذه الملفات والتحقيق فيها، بصرف النظر عن أسماء المتورطين ومواقعهم وعلاقاتهم داخل السلطة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل يجري التحقيق في ملف دبور باعتباره جزءاً من عملية أوسع لمكافحة الفساد، أم أن الخلاف بينه وبين شخصيات نافذة هو الذي أخرج الملف إلى الواجهة؟
وعندما تتحدث عائلته عن خلافاته مع ياسر عباس، ثم تظهر بعد ذلك اتهامات مالية بحقه وإجراءات لاسترداده من لبنان، يصبح من الطبيعي أن تُطرح أسئلة حول توقيت فتح الملف، وطريقة تحريكه، وما إذا كانت جميع الأطراف التي تظهر أسماؤها في الاتهامات تخضع للمستوى نفسه من التدقيق والمساءلة.
لا يمنحه حصانة
فإذا كان دبور قد استغل منصبه أو تصرف بالمال العام بصورة غير قانونية، فإن القضية لا تحتاج إلى خصومة سياسية لإثبات ذلك، وإنما تحتاج إلى أدلة وتحقيق وقضاء.
أما إذا كانت الاتهامات قد ظهرت في سياق صراع على النفوذ داخل السلطة، فإن ذلك لا يعفي دبور أيضاً من أي مسؤولية محتملة، لكنه يعني أن التحقيق يجب أن يتسع ليشمل أصل الخلاف والملفات التي يقول إنه كشفها والأسماء التي وردت فيها، وبغير ذلك، يصبح الأمر أقرب إلى تبادل للاتهامات بين أجنحة داخل المؤسسة نفسها، وليس معالجة حقيقية لملف فساد.
وهذا الوضع لا يمنحه حصانة من التحقيق إذا كانت هناك اتهامات جدية بحقه، لكنه يضع السلطات اللبنانية أمام مسؤولية إضافية عند بحث طلب تسليمه، خصوصاً أن أي قرار من هذا النوع يجب أن يأخذ في الاعتبار حالته الصحية والضمانات التي ستتوفر له بعد وصوله إلى رام الله.
وقد دخلت جهات حقوقية لبنانية على خط القضية، محذرة من أن الاتهامات مهما كانت خطورتها لا تلغي حق الشخص في ضمانات المحاكمة العادلة، ولا تعفي الدولة من التأكد من عدم تعرضه للتعذيب أو سوء المعاملة أو الاحتجاز التعسفي.
كما أكد مدير مؤسسة 'شاهد' لحقوق الإنسان محمود الحنفي أن توقيف دبور لا يعني تلقائياً اتخاذ قرار بتسليمه، وأن القضاء اللبناني يملك صلاحية دراسة طلب الاسترداد والتأكد من استيفائه الشروط القانونية.
وهذا يعني أن توصية النيابة اللبنانية، وفق ما نشرته 'الأخبار'، لا تمثل نهاية المسار، وإنما خطوة ضمن إجراءات يفترض أن تستمر قبل اتخاذ القرار النهائي.
فمن حيث المبدأ، لا مشكلة في أن تلاحق السلطة مسؤولاً سابقاً إذا كانت لديها أدلة على فساده أو إساءة استخدامه لمنصبه. بل إن عدم محاسبة المسؤولين، أياً كانت مواقعهم، يمثل مشكلة أكبر.
لكن المحاسبة تصبح موضع شك عندما تظهر في سياق صراع داخلي، خصوصاً إذا كانت الاتهامات تتقاطع مع خلافات شخصية وسياسية بين شخصيات كانت جميعها جزءاً من المؤسسة نفسها.
وهنا لا يكفي أن تقول السلطة إن القضية قضائية فالمطلوب أن تظهر الأدلة، وأن تُعرف طبيعة الأموال أو المخالفات التي يُتهم بها دبور، وأن تُفتح في الوقت نفسه الملفات التي يقول إنه كشفها، وأن يخضع كل من يثبت تورطه للمحاسبة، سواء كان سفيراً سابقاً أو مسؤولاً نافذاً أو قريباً من مركز القرار.
أما أن يتحول ملف الفساد إلى سلاح يستخدمه كل طرف ضد خصمه، فهذه ليست محاسبة حقيقية، وإنما صراع على من يملك حق توجيه الاتهام داخل المنظومة.
تكشف قضية دبور شيئاً أوسع عن طبيعة العلاقة داخل السلطة الفلسطينية، وعن الطريقة التي يمكن أن يتحول بها مسؤول سابق من رجل يمثل المؤسسة إلى شخص تلاحقه المؤسسة نفسها، وعن الملفات التي قد تظهر عندما تنتهي العلاقة بين الطرفين. وفي هذه الحالة تحديداً، لا يمكن منح دبور صك براءة لمجرد أنه دخل في خلاف مع ياسر عباس، كما لا يمكن إدانته لمجرد أن السلطة تتهمه.
في النهاية، لا تكمن قضية دبور في شخصه وحده، ولا في تبرئته أو إدانته، وإنما في ما تكشفه من صراع داخل منظومة السلطة نفسها؛ فإذا كانت بحقه ملفات فساد فليُحاسب عليها، وإذا كانت لديه معلومات عن فساد يطال شخصيات نافذة فلتُفتح تلك الملفات أيضاً، ويخضع كل من تثبت مسؤوليته للمساءلة دون حصانة أو انتقائية. أما أن تتحول الاتهامات إلى أدوات لتصفية الحسابات بين أقطاب السلطة، فذلك لا يمثل مكافحة للفساد بقدر ما يكشف صراعاً على النفوذ داخل المنظومة ذاتها.

























































