اخبار سوريا
موقع كل يوم -ار تي عربي
نشر بتاريخ: ٢٤ نيسان ٢٠٢٦
تتجاوز تظاهرة أفلام الثورة السورية بدورتها الثانية العرض السينمائي التقليدي، لتقترب من فكرة 'الأرشيف الحي' الذي يعيد التفكير في الحدث السوري من داخل صورته لا من خارجه.
الأفلام المعروضة لا تتعامل مع الثورة بوصفها موضوعا منتهيا، بل كجغرافيا سردية لا تزال تتشكّل، تتنازعها الذاكرة الفردية والجماعية، وتتقاطع فيها الشهادة مع الفن، والتوثيق مع إعادة التخييل.
ضمن هذا السياق، تتجاور أعمال وثائقية وروائية تنطلق من تجارب مختلفة، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: كيف يمكن للسينما أن تحكي ما هو أكبر من الحكاية نفسها؟
تُظهر الأعمال المعروضة تنوعا في المقاربة، لكنها تكشف أيضا عن إشكالية بنيوية في سينما الثورة السورية: التوتر بين الحاجة إلى التوثيق الفوري، والرغبة في بناء سردية سينمائية متماسكة.
ففي أفلام مثل 'سوريا… قصة ثورة' يبرز اعتماد واضح على شهادات الناس العاديين في محاولة لتفكيك المركزية التقليدية للسرد التاريخي. هذا الخيار يمنح العمل صدقية عالية، لكنه يحدّ أحيانا من العمق التحليلي، إذ تبقى الأسئلة الكبرى مطروحة دون تفكيك بنيوي كافٍ.
أما في فيلم “21 آذار”، فتتحوّل الصورة إلى صدمة بصرية مباشرة، حيث يُستخدم الألم كأداة سرد. ورغم قوة التأثير العاطفي، إلا أن هذه المباشرة تطرح سؤالا نقديا حول حدود تمثيل العنف: متى يصبح التوثيق إعادة إنتاج للألم بدل مساءلته؟
وفي “أحمد مريم”، تنتقل السينما إلى مساحة أكثر حميمية، حيث يُروى الحب في سياق ما بعد الحرب عبر وسيط الهاتف المحمول. غير أن هذا القرب العاطفي، رغم جاذبيته، يميل أحيانا إلى تبسيط تعقيدات الهوية واللجوء في عالم شديد التشظي.
ويحاول فيلم 'الطريق إلى دمشق' تقديم سرد تاريخي ممتد للثورة، من درعا إلى دمشق، مرورا بمحطات مفصلية. غير أن هذا الطموح الزمني الواسع يضعه أمام تحدّي الاختزال، حيث تختفي أحيانا التداخلات المعقدة لصالح خط سردي مباشر.
ولا تقل أهمية أفلام أخرى عُرضت ضمن التظاهرة، والتي تُوسّع أفق المقاربة.
في “خديجة”، يُختزل الفقد عبر أنيميشن صامت مكثّف.
وفي “أبطال الجودو” تُروى الثورة عبر أثر إنساني مستمر.
أما 'حلم عصفور 'فيلجأ إلى الصمت والرمزية لتجسيد تجربة الاعتقال.
بينما يعود “الشرارة الأولى” إلى جذور تاريخية أعمق،
ويرصد “حين ناداني اسمي” تحوّلات الفرد من الاحتجاج إلى النزوح.
وفي هذا السياق، يبرز فيلم “ذاكرة باللون الخاكي” بوصفه محاولة بصرية لتأمل أثر العسكرة على الذاكرة اليومية. اللون هنا ليس تفصيلًا جماليا، بل دلالة على تحوّل الحياة نفسها، حيث تتسرّب الحرب إلى التفاصيل الصغيرة، ينجح الفيلم في بناء طبقة رمزية، لكنه يقترب أحيانا من التجريد الذي قد يخلق مسافة مع المتلقي.
في قلب هذه التظاهرة، تبرز تجربة المخرج هشام الزعوقي بوصفها نموذجا لسينما وُلدت من داخل الحدث لا من خارجه.فأفلامه، الممتدة بين 2011 و2020، صُنعت في ظروف استثنائية، حيث غابت الإمكانات وحضر الإصرار على التوثيق. يختصر الزعوقي تجربته بالقول إن هذه الأفلام لم تكن خيارا فنيا بقدر ما كانت ضرورة، مشيرا إلى أن أعماله—'مراسل حربي'، 'ملائكة ثائرة'، و“على أنقاض حلم” توثّق تحوّل آلاف الشباب العاديين إلى مراسلين ميدانيين، صوّر كثير منهم بكاميرات بسيطة، أحيانا تحت الحصار ودون أي دعم إنتاجي.،'ملائكة ثائرة'، الذي يوثّق استهداف الكادر الطبي، و'على أنقاض حلم'، الذي يقترب من الأثر النفسي والإنساني للحرب.
ويختصر الزعوقي تجربته بالقول إن هذه الأفلام لم تكن خيارا فنيا بقدر ما كانت ضرورة، إذ صُوّر كثير منها بإمكانات بسيطة، وأحيانا بكاميرات هواتف محمولة، في ظل الحصار وغياب الدعم، ما جعل الكاميرا أداة بقاء بقدر ما هي أداة تعبير.
ويرى أن التظاهرة تفتح مساحة لعرض هذه التجارب، وإعادة وصل صنّاعها بالسينما، بعد أن وُلدت أعمالهم في ظروف استثنائية.
تكشف تظاهرة أفلام الثورة السورية، من خلال تنوّع أعمالها وتجاربها، عن سينما تقف في منطقة وسطى بين الشهادة والتأويل، سينما تُصنع تحت الضغط، وتحتفظ بصدقها بقدر ما تتنازل عن اكتمالها الجمالي.
لكن هذا النقص نفسه هو ما يمنحها قيمتها ، فهي لا تدّعي امتلاك الرواية النهائية، بل تتركها مفتوحة، قابلة للقراءة وإعادة القراءة، كذاكرة لا تزال قيد التشكل، لا قيد الاكتمال.
المصدر: RT




































































