اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
لم تبدأ حكاية الكثير من العائلات مع قرار تعليق لمّ الشمل في ألمانيا، بل قبل ذلك بسنوات، حين غادر الآباء سوريا في ظروف دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار خارج البلاد. وكانت الحرب، وتدهور الوضع الأمني، والاعتقالات والمخاطر التي واجهها بعض السوريين، إلى جانب الانهيار الاقتصادي وتراجع فرص العمل، من بين العوامل التي دفعت كثيرين إلى المغادرة.
تبحث بناز قاسم عن إجابة لا تملكها كلما سأل ابنها البالغ عامين عن والده، يكبر الطفل في الحسكة بعيداً عن أبيه الذي يعيش في ألمانيا. شاشة الهاتف هي صلة التواصل الوحيدة بينهما، مكالمات فيديو قصيرة تحاول أن تعوّض غياباً لا يمكن لشاشة أن تختصره.
ليست بناز وحدها من تواجه المسافات وسياسات الهجرة في ألمانيا، في أربيل، تنتظر كاروين، 32 عاماً، منذ سنوات اجتماعها بزوجها محمد. تقول إن أكثر ما يرهقها ليس طول الانتظار وحده، وإنما محاولة تفسيره لأطفالها: لماذا يعيش آباء الأطفال الآخرين معهم، بينما يظل والدهم بعيداً؟
بالنسبة إلى هؤلاء، لم يكن لمّ الشمل مجرد معاملة في سفارة أو مجموعة أوراق تحتاج إلى ترجمة. كان الطريق القانوني الوحيد لإنهاء سنوات من الانفصال، إلى حين جاء قرار ألماني جديد أغلق هذا الطريق مؤقتاً.
القوانين تتغير والعائلات تنتظر
في 27 حزيران/ يونيو 2025، صوّت البرلمان الألماني على تعليق لمّ شمل عائلات الحاصلين على 'الحماية الثانوية' لمدة عامين، وبموجبه، لا يُمنح لمّ الشمل للأشخاص الحاصلين على الحماية حتى 23 تموز/ يوليو 2027، مع إبقاء إمكانية النظر في بعض الحالات الإنسانية الاستثنائية.
الحماية الثانوية ليست وضعاً يخصّ السوريين وحدهم، لكنها تمسّهم بصورة خاصة. ففي السنوات السابقة، كان السوريون يشكلون الغالبية العظمى من أصحاب هذا النوع من الحماية في ألمانيا، وكان لمّ الشمل متاحاً لهم ضمن نظام يحدد عدد التأشيرات الشهرية. وبين آب/ أغسطس 2018 وتموز/ يوليو 2025، كان أقارب أصحاب الحماية الثانوية يستطيعون التقدم للمّ الشمل ضمن حصة شهرية تبلغ ألف تأشيرة. وتشير بيانات ألمانية إلى أن أكثر من عشرة آلاف تأشيرة لمّ شمل صدرت لأقارب سوريين من هذه الفئة في 2023.
لكن منذ تموز/ يوليو 2025، توقفت الطلبات الجديدة وفق المسار المعتاد، وبقيت الطلبات والتسجيلات السابقة عند المرحلة الإجرائية التي وصلت إليها عند دخول القانون حيز التنفيذ، على أن يُستأنف النظر فيها بعد انتهاء فترة التعليق، ما لم يتغير القانون.
بالنسبة إلى أسرة تنتظر منذ سنوات، عبارة 'عامين' لا تعني زمن انتظار خالياً من المتاعب، بل عامين إضافيين من التربية المنفردة، ومن المكالمات الهاتفية، ومن صور الأطفال التي تصل إلى الآباء عبر تطبيقات المراسلة، ومن سؤال متكرر لا إجابة واضحة لها: متى نلتقي؟
لماذا لا يعود الآباء؟
في حالات كثيرة، لم تغادر الأسرة بكاملها في الوقت نفسه بل سبق الأبُ زوجته وأطفاله، على أمل أن يؤمّن لنفسه وضعاً مستقراً في بلد اللجوء، ثم يلتحق به أفراد أسرته عبر المسار القانوني، وهكذا تحوّل الانفصال، الذي بدأ كحلّ مؤقت، إلى سنوات من البعد، فيما أصبح لمّ الشمل لاحقاً الطريق الذي تنتظره الأسرة للعودة إلى حياة مشتركة.
لكن سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 أعاد طرح سؤال آخر: إذا تغيّرت الظروف التي دفعت السوريين إلى مغادرة بلدهم، فلماذا لا يعود الآباء إلى سوريا بدلاً من انتظار لمّ الشمل في ألمانيا؟
الإجابة ليست واحدة. فبالنسبة إلى بعض السوريين، لم يعد قرار العودة مرتبطاً بسقوط النظام وحده، بل بما إذا كانت الظروف التي سيعودون إليها تسمح بإعادة بناء حياة مستقرة: السكن، والعمل، والتعليم، والخدمات، والأمان، إضافة إلى وضعهم القانوني والأسري في ألمانيا بعد سنوات من الإقامة فيها.
كما أن كثيراً من الآباء لم يعودوا ينظرون إلى ألمانيا بوصفها محطة مؤقتة. فخلال سنوات وجودهم هناك، بنوا حياة جديدة، ودخلوا سوق العمل، وتعلّم بعضهم اللغة، وحصلوا على إقامات، فيما بدأ أطفالهم أو زوجاتهم يرتبطون بمستقبل مختلف. لذلك، فإن العودة ليست بالضرورة بديلاً مباشراً عن لمّ الشمل، بل قرار منفصل له كلفته وشروطه ومخاطره.
من هنا، لا يتعلق سؤال الهجرة بالبلد المضيف وسياساته فحسب، بل أيضاً بالبلد الأصلي الذي غادره المهاجر، وبالأسباب التي دفعته إلى المغادرة، وبالظروف التي قد تجعله يفكر في العودة أو يواصل بناء حياته في الخارج.
وهذه الزاوية مهمة في حالة العائلات السورية التي تنتظر لمّ الشمل اليوم: فالأب لم يغادر سوريا ليعيش بعيداً عن أطفاله، لكنه يجد نفسه بعد سنوات أمام خيارين معقدين: العودة إلى بلد تغيّر سياسياً لكنه لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أو البقاء في ألمانيا حيث استقرت حياته، فيما يبقى الطريق القانوني لجمع أسرته معلقاً.
سقط نظام الأسد… والانتظار لم ينتهِ
يزداد وقع القرار على السوريين لأنه جاء بعد أشهر من سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024. كان التغيير السياسي في سوريا يعني لكثير من السوريين المقيمين في أوروبا احتمالاً ببداية مختلفة. بعضهم اعتقد أن انتهاء النظام الذي دفعهم إلى اللجوء سيخفف القيود المرتبطة بسوريا، أو على الأقل سيفتح نقاشاً جديداً حول مستقبل العائلات التي فرّقتها الحرب. لكن ملف الهجرة في ألمانيا تحرك في اتجاه مختلف.
الهجرة أصبحت واحدة من أكثر القضايا حضوراً في السياسة الألمانية، خصوصاً بعد تصاعد الخطاب المطالب بتشديد الرقابة على الحدود والحد من أعداد الوافدين. وفي هذا السياق، قدمت الحكومة تعليق لمّ الشمل بوصفه جزءاً من سياسة تهدف إلى تخفيف الضغط عن أنظمة الاستقبال والاندماج في البلاد، وهنا تظهر مفارقة يعيشها السوريون بين واقعين: سقوط نظام في بلدهم يُفترض أن يفتح صفحة جديدة، وسياسة هجرة في بلد اللجوء تغلق (ولو مؤقتاً) أحد أهم الأبواب التي تنتظر منها العائلات الاجتماع.
بالنسبة إلى الأب المقيم في ألمانيا منذ سنوات، لا تعني عودة الاستقرار السياسي تلقائياً أن باب العودة إلى الحياة التي تركها قد فُتح. فهو يحتاج إلى منزل، وعمل، ومدرسة لأطفاله، وخدمات صحية، وأمان، فضلاً عن معرفة ما إذا كانت المنطقة التي ينحدر منها مستقرة فعلاً.
كما أن بعض السوريين بنوا خلال سنوات وجودهم في ألمانيا حياة جديدة، فأصبح لديهم عمل، وإقامة، وشبكات اجتماعية، وربما أطفال وُلدوا أو نشأوا هناك، لذلك، لا تبدو العودة بالنسبة إلى الجميع بديلاً مباشراً عن لمّ الشمل، بل خياراً منفصلاً يخضع لظروف كل فرد وأسرة.
استثناء إنساني… لكن كم أسرة تستطيع عبوره؟
لم تغلق ألمانيا الباب أمام 'لمّ الشمل' بصورة مطلقة، فالقانون أبقى إمكانية النظر في حالات المشقّة الإنسانية بموجب المواد ذات الصلة من قانون الإقامة الألماني. وتوضح وزارة الخارجية أن الحالات التي تستند إلى ظروف إنسانية استثنائية يمكن التعامل معها عبر آليات مخصصة لذلك، من بينها برنامج المساعدة الأسرية التابع للمنظمة الدولية للهجرة.
لكن هذا الاستثناء ليس مساراً بديلاً عادياً للمّ الشمل، هو مخصص للحالات الفردية الاستثنائية، وينظر في كل حالة على حدة. وتظهر صعوبة هذا المسار في أرقام صادمة: إذ تشير تقارير إلى أنه منذ دخول القرار حيّز التنفيذ، لم يُمنح لمّ الشمل سوى لعائلتين سوريتين فقط وفق استثناء المشقّة الإنسانية. هذا الرقم، في مواجهة آلاف العائلات المنتظرة، يرسم صورة قاتمة عن حجم الباب الضيق الذي تركته السياسة الألمانية مفتوحاً.
بالنسبة إلى العائلات، المشكلة لا تكمن فقط في وجود استثناء على الورق، بل في سؤال أكثر قسوة: هل يمكن لأسرة عادية تعيش سنوات من الانفصال أن تثبت أن حالتها استثنائية بما يكفي للدخول من هذا الباب؟
ماذا تستطيع الأسرة أن تفعل قانونياً؟
مع تعليق المسار المعتاد، تبحث العائلات عن أي منفذ قانوني يمكن أن ينهي الانتظار. بعضهم يلجأ إلى المحامين، فيما تحاول أسر أخرى الاستعانة بالمنظمات التي تقدم المشورة القانونية ومساعدتها في تجهيز الملفات. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي تطرحه هذه الأسر على المحامين اليوم هو: هل يمكن الطعن في قرار التعليق نفسه؟ وهل هناك أي أمل باعتباره غير دستوري أو مخالفاً للقوانين الأوروبية؟
تقول المحامية أسماء قاسم إن تعليق لمّ الشمل لا يعني إغلاق جميع المسارات القانونية أمام الأسر، لكنه يجعل الخيارات المتاحة أكثر ضيقاً وتعقيداً. وتوضح أن الأسرة التي ترى أن وضعها يندرج ضمن حالة إنسانية استثنائية تستطيع تقديم ملف يثبت ظروفها الخاصة، بينما يمكن دراسة الخيارات القضائية في حال صدور قرار برفض الطلب، بحسب وضع كل أسرة والمرحلة التي وصلت إليها معاملتها.
وتشير أسماء إلى أن مجرد وجود الانفصال الأسري لا يعني تلقائياً اعتبار الحالة 'إنسانية استثنائية'، ولذلك تحتاج الأسرة إلى تقديم ما يثبت خصوصية وضعها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأطفال أو بظروف صحية أو إنسانية بالغة الصعوبة.
وتضيف أن معرفة الأسرة بحقوقها والإجراءات المتاحة أمامها تصبح أكثر أهمية في ظل تعليق المسار المعتاد، محذرة من أن نقص المعلومات القانونية قد يدفع بعض الأسر إلى البحث عن طرق غير نظامية للالتقاء. وتلفت إلى أن إمكانية الطعن في القرار ذاته تظل محدودة، لأن التعليق صدر بقانون برلماني، لكن الطعن يظل ممكناً في قرارات رفض التأشيرات الفردية.
في حال رفض طلب التأشيرة، تتضمن قرارات الرفض الألمانية معلومات حول وسائل الطعن والجهة المختصة والمهل الزمنية، وفق وزارة الخارجية الألمانية. لكن إمكانية الطعن ونتيجته تختلفان بحسب الحالة القانونية لكل أسرة، وهو ما يجعل الاستشارة المتخصصة أمراً مهماً قبل اتخاذ أي خطوة.
ماذا تفعل العائلات الآن؟
عندما يُغلق الطريق القانوني، لا تختفي الحاجة إلى الاجتماع. تبدأ العائلات بالبحث عن بدائل: محامون، منظمات، استشارات، محاولات لإثبات وجود ظروف إنسانية خاصة، وأحياناً الانتظار. لكن للانتظار نفسه كلفة.
في الحسكة، تحاول بناز قاسم أن تجعل الانتظار جزءاً عادياً من الحياة، على رغم أنها لا تعرف متى ينتهي. تلتقط صوراً لابنها الصغير وترسلها إلى والده في ألمانيا، وتجلس أمام الهاتف في المواعيد المحددة لمكالمات الفيديو القصيرة بانتظار زوجها، تقول: 'أخبر ابني أن أباه سيأتي قريباً، لكن لا أعرف متى هذا القريب. كلما كبر سألني أكثر، وكلما كبر ازدادت صعوبة الإجابة'.
أما كاروين في أربيل، فتواجه سؤالاً أكثر تعقيداً من أطفالها: 'لماذا أبي ليس معنا مثل آباء أصدقائي؟'. تحاول أن تشرح لهم أن المسافات أحياناً تكون أكبر من أن تُقطع، وأن الانتظار جزء من الحب. لكنها تعترف بأنها تبحث يومياً عن إجابات جديدة لأسئلة لا تتوقف.




































































