اخبار فلسطين
موقع كل يوم -سما الإخبارية
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
كشفت وثائق تاريخية أفرج عنها أرشيف الجيش الإسرائيلي، ونشرتها وزارة الدفاع الإسرائيلية بمناسبة مرور سبعة عقود على حرب سيناء عام 1956، عن تحذيرات مبكرة أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ديفيد بن غوريون بشأن قطاع غزة، معتبرًا أن السيطرة عليه قد تتحول إلى عبء أمني وسياسي وأخلاقي يفوق قدرة إسرائيل على تحمله، وقد يقود إلى عزلتها دوليًا ويؤثر على قدرتها في الحصول على السلاح خلال أي مواجهة مستقبلية.
وتتضمن الوثائق محاضر اجتماع عقده بن غوريون مع كبار قادة الجيش عقب انتهاء الحرب، ناقش خلاله مستقبل القطاع وتداعيات استمرار السيطرة عليه. وخلال النقاش عبّر عن تشاؤمه تجاه إدارة غزة، قائلاً: «لو كنت أؤمن بالمعجزات، لتمنيت أن يبتلع البحر غزة»، في إشارة إلى التعقيدات الكبيرة التي رآها مرتبطة بالسيطرة على القطاع.
ورغم إقراره بالأهمية العسكرية والاستراتيجية لغزة، نظرًا لموقعها الجغرافي ووجود قوات مصرية فيها آنذاك، فإن بن غوريون عارض فكرة ضمها، معتبرًا أن إسرائيل ليست بحاجة إلى تحمل المسؤولية عن مئات آلاف الفلسطينيين المقيمين فيها. ووفقًا للمحاضر، قدّر عدد سكان القطاع حينها بنحو 300 ألف نسمة، بينهم ما بين 180 و190 ألف لاجئ فقدوا منازلهم وممتلكاتهم خلال سنوات سابقة.
وأظهرت الوثائق أن بن غوريون لم يتعامل مع غزة بوصفها تحديًا عسكريًا فحسب، بل رأى أن السيطرة عليها تفرض واقعًا ديموغرافيًا وسياسيًا معقدًا، في ظل وجود مجتمع فلسطيني يحمل إرثًا من التهجير ويعتبر القوات الإسرائيلية قوة احتلال. كما أشار إلى أن غياب الوجود العسكري المصري لا يعني انتهاء المقاومة أو ضمان الاستقرار، محذرًا من أن استمرار الوجود الإسرائيلي قد يضع إسرائيل في مواجهة ضغوط من الأمم المتحدة ودول عديدة.
كما حذر من أن إدارة القطاع والتعامل مع قضية اللاجئين ومواجهة أعمال المقاومة قد تستنزف قدرات الدولة، مؤكدًا أن المشكلة ستبقى قائمة بغض النظر عن شكل الإدارة التي ستتولى شؤون غزة، سواء كانت إسرائيلية أو دولية أو بإشراف الأمم المتحدة.
ولم تقتصر مخاوفه على الجوانب السياسية والأمنية، بل شملت أيضًا البعد الأخلاقي، إذ رأى أن فقدان إسرائيل لمكانتها الأخلاقية وصورتها أمام العالم قد يحمل تداعيات تمس مستقبلها. واعتبر أن القدرة على فرض السيطرة العسكرية لا تكفي إذا كانت كلفتها السياسية والدولية مرتفعة.
وفي جانب آخر من الوثائق، حذر بن غوريون من الاعتقاد بأن النجاح العسكري الذي تحقق خلال حرب 1956 سيُعاد تكراره بالسهولة ذاتها في الحروب المقبلة. وأشار إلى أن أي مواجهة مستقبلية قد تشهد استهداف مدن إسرائيلية رئيسية مثل تل أبيب وحيفا، مع سقوط ضحايا مدنيين من النساء والأطفال، ما يعكس مخاوفه من انتقال ساحة الحرب إلى العمق الإسرائيلي واتساع الخسائر البشرية.
وربط بن غوريون بين هذا السيناريو واحتمال تعرض إسرائيل لعزلة دولية قد تعيق حصولها على الأسلحة والمعدات العسكرية. ولفت إلى أن مواجهة جيوش تمتلك قدرات جوية ومدرعات متطورة في ظل تراجع الدعم العسكري الخارجي قد تفرض أثمانًا بشرية باهظة.
وفي وثيقة أخرى، تحدث شيمون بيريز، الذي كان يشغل منصب المدير العام لوزارة الدفاع آنذاك، عن التحديات التي واجهتها إسرائيل في سنواتها الأولى لتأمين احتياجاتها العسكرية. وأوضح أن إسرائيل عانت من صعوبات كبيرة في التسلح خلال حرب عام 1948، رغم التعاطف الدولي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، مشيرًا إلى أن جزءًا مهمًا من تسليحها جاء من تشيكوسلوفاكيا، إضافة إلى صفقات سرية مع فرنسا وإيطاليا وسويسرا وبريطانيا.
وتبرز هذه الشهادات أهمية ملف التسليح في حسابات القيادة الإسرائيلية آنذاك، لا سيما أن بن غوريون كان يرى أن استمرار السيطرة على غزة قد يؤدي إلى تراجع الدعم الدولي وما يترتب على ذلك من تحديات عسكرية في المستقبل.
ويأتي نشر هذه الوثائق ضمن مشروع أطلقته أرشيفات الجيش الإسرائيلي لإنشاء منصة رقمية مخصصة لوثائق عملية «قادش» وحرب سيناء، تضم آلاف الوثائق والخرائط والصور التاريخية، إضافة إلى معلومات عن عشرات القادة العسكريين الذين لعبوا أدوارًا بارزة في مرحلة تأسيس الجيش الإسرائيلي.
وتعيد الوثائق الجديدة تسليط الضوء على النقاشات التي دارت داخل أروقة القيادة الإسرائيلية عقب حرب 1956، وتكشف أن التحذيرات من كلفة السيطرة على قطاع غزة، ومن مخاطر العزلة الدولية وتراجع الدعم العسكري، كانت حاضرة في حسابات بن غوريون منذ ذلك الوقت.

























































