اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢١ تموز ٢٠٢٦
لم يكن البيان الذي نشرته القنصلية البريطانية العامة في القدس بشأن أوضاع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية ليثير الاهتمام الدبلوماسي فحسب، بل فتح بابًا جديدًا للنقاش بعد ساعات قليلة من نشره، عندما ظهر الحساب الرسمي للقنصلية على منصة 'إكس' يحمل إشعارًا يفيد بأنه 'معلق'، دون أن تقدم المنصة أي توضيح رسمي لأسباب هذا الإجراء.
ورغم غياب تفسير من 'إكس'، فإن تزامن تعليق الحساب مع نشر بيان يتناول قضية حقوقية حساسة أعاد إلى الواجهة أسئلة تتجاوز الواقعة نفسها، لتطال حدود سلطة شركات التكنولوجيا الكبرى في إدارة المحتوى، ودورها في تشكيل النقاشات المتعلقة بالقضية الفلسطينية وحقوق الإنسان.
بداية القصة
بدأت القصة عندما نشرت القنصلية البريطانية العامة في القدس، عبر حسابها الرسمي على منصة 'إكس'، بيانًا مشتركًا وقّعت عليه بريطانيا والاتحاد الأوروبي إلى جانب إحدى عشرة دولة، أعربت فيه عن قلقها البالغ إزاء أوضاع آلاف المعتقلين الفلسطينيين في السجون 'الإسرائيلية'، في ظل تصاعد التقارير الحقوقية التي توثق الانتهاكات المرتكبة بحقهم.
وركز البيان على عدد من المطالب الحقوقية، أبرزها ضمان حصول المعتقلين على محاكمات عادلة وفق المعايير الدولية، والحد من اللجوء إلى سياسة الاعتقال الإداري التي تتيح احتجاز الفلسطينيين لفترات طويلة دون توجيه تهم أو محاكمة، إضافة إلى توفير الرعاية الصحية اللازمة للمعتقلين، والسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر باستئناف زياراتها إلى السجون بعد توقفها، مع التشديد على ضرورة التزام 'إسرائيل' بالقانون الدولي الإنساني والاتفاقيات ذات الصلة بحماية حقوق المحتجزين.
ولم يمض سوى وقت قصير على نشر البيان حتى اختفى الحساب الرسمي للقنصلية البريطانية من منصة 'إكس'، لتظهر مكانه رسالة تفيد بأن 'الحساب معلق'، دون أن تقدم المنصة أي توضيح بشأن أسباب هذا الإجراء أو طبيعة المخالفة التي استندت إليها في اتخاذ القرار. كما التزمت وزارة الخارجية البريطانية والقنصلية الصمت حيال الواقعة، ولم تصدرا أي بيان يوضح ملابسات تعليق الحساب أو ما إذا كانت قد جرت مخاطبة إدارة المنصة لإعادة تفعيله.
ورغم عدم وجود أي إعلان رسمي يربط بين نشر البيان وتعليق الحساب، فإن التزامن الزمني بين الحدثين أثار موجة واسعة من التساؤلات، لا سيما أن الأمر يتعلق بحساب رسمي يتبع بعثة دبلوماسية تمثل الحكومة البريطانية، وليس بحساب شخصي أو مؤسسة إعلامية. كما أعاد ذلك فتح النقاش حول آليات إدارة المحتوى على المنصات الرقمية، وحدود الشفافية في القرارات التي تمس الحسابات الرسمية، خاصة عندما يرتبط محتواها بقضايا حقوق الإنسان والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية.
تساؤلات مشروعة
ولا ينظر متخصصون إلى الواقعة باعتبارها حادثًا منفصلًا، بل يرون أنها تأتي ضمن نقاش أوسع يتعلق بإدارة المحتوى السياسي والحقوقي على المنصات الرقمية، ومدى تأثير هذه الشركات في وصول المعلومات إلى الجمهور.
وتقول دكتورة الصحافة والإعلام الرقمي فداء المدهون إن توقيت تعليق الحساب يثير تساؤلات مشروعة، كونه جاء عقب نشر بيان يتناول أوضاع الأسرى الفلسطينيين، في وقت لم تقدم فيه منصة 'إكس' أي تفسير رسمي لأسباب القرار.
وتوضح المدهون أن الإشكالية لا تكمن في إجراء التعليق بحد ذاته، وإنما في غياب الشفافية، مشيرة إلى أن من حق المؤسسات والجمهور معرفة الأسس التي استندت إليها المنصة في اتخاذ قرار يمس حسابًا رسميًا يتبع بعثة دبلوماسية.
وتضيف أن منصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد شركات تقنية تقدم خدمات رقمية، بل تحولت إلى فضاءات عامة تتشكل فيها النقاشات السياسية والحقوقية، وهو ما يجعل الإفصاح عن أسباب القرارات المتعلقة بالمحتوى جزءًا من مسؤوليتها تجاه المستخدمين والرأي العام.
وترى المدهون أن المنصات الرقمية أصبحت خلال السنوات الأخيرة ساحة رئيسية لمعركة الرواية، بعدما لعبت دورًا محوريًا في نقل صور الحرب على غزة وشهادات الضحايا إلى العالم، قبل أن تجد طريقها إلى وسائل الإعلام التقليدية.
وتؤكد أن أي قرار يقضي بتعليق حساب أو الحد من وصول محتوى يتعلق بالقضية الفلسطينية لا ينعكس على صاحب الحساب وحده، وإنما يؤثر في تدفق المعلومات، ويحد من قدرة الجمهور العالمي على الاطلاع على روايات متعددة، وهو ما يمنح المنصات تأثيرًا مباشرًا في تشكيل السرديات المرتبطة بالحروب والانتهاكات وحقوق الإنسان.
وتشدد المدهون على أن المسؤولية المتزايدة التي تتحملها المنصات الرقمية تفرض عليها الالتزام بمعايير مهنية وحقوقية واضحة، تقوم على الشفافية والمساواة في تطبيق السياسات، مع توفير آليات مراجعة واعتراض فعالة، والتمييز بين المحتوى الذي يحرض على العنف، والمحتوى الذي يوثق الانتهاكات أو ينقل مواقف حقوقية ودبلوماسية، باعتبار أن حماية هذا النوع من المحتوى تمثل جزءًا من حماية حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
إبادة رقمية
وتأتي هذه الواقعة في ظل جدل متواصل بشأن تعامل منصات التواصل الاجتماعي مع المحتوى المرتبط بالقضية الفلسطينية.
ففي يونيو/حزيران الماضي، أصدر المركز العربي للنهوض بوسائل التواصل الاجتماعي 'حملة' دراسة بعنوان 'إبادة فلسطين عبر المنصات (2021-2025)'، استندت إلى تحليل 3520 حالة موثقة، وخلصت إلى وجود أنماط متكررة من تقييد المحتوى الفلسطيني على منصتي فيسبوك وإنستغرام.
وأشارت الدراسة إلى أن هذه الممارسات شملت حذف المحتوى، وتقليص انتشاره، وفرض قيود على الحسابات، إلى جانب غياب الشفافية في تفسير قرارات الإشراف، معتبرة أن تلك الإجراءات تؤثر بصورة مباشرة في وصول الرواية الفلسطينية إلى الجمهور، وداعية إلى تعزيز الشفافية، وحماية المحتوى الصحفي والحقوقي، وإجراء مراجعات مستقلة لسياسات إدارة المحتوى.
ورغم أن الدراسة تناولت سياسات شركة 'ميتا'، بينما تتعلق الواقعة الحالية بمنصة 'إكس'، فإنها تعكس اتساع النقاش بشأن مسؤولية المنصات الرقمية في إدارة المحتوى المرتبط بالنزاعات، وتأثير قراراتها في وصول المعلومات المتعلقة بالحروب والانتهاكات إلى الرأي العام.
وتدعم أحدث التقارير الحقوقية هذا الاتجاه، إذ وثق تقرير رصدي صدر عن جهات مختصة بالحقوق الرقمية 911 انتهاكًا رقميًا خلال يونيو/حزيران 2026، استهدفت المحتوى الفلسطيني على مختلف المنصات.
وبحسب التقرير، شملت الانتهاكات 20 إجراءً مباشرًا اتخذته إدارات المنصات، تنوعت بين الحذف والتقييد والحظر، إلى جانب 98 انتهاكًا استهدف الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، و235 انتهاكًا طالت النساء، بينهن صحفيات وناشطات، في مؤشرات تعكس اتساع التحديات التي تواجه المحتوى الفلسطيني في الفضاء الرقمي.
لاعبًا مؤثرًا
وتدعو هذه التقارير إلى اعتماد معايير أكثر شفافية في إدارة المحتوى، وتوفير ضمانات تكفل حماية العمل الصحفي والحقوقي، وتمنع أن تتحول سياسات الإشراف أو الخوارزميات إلى أدوات تحد من وصول المعلومات أو تؤثر في تداول الروايات المتعلقة بالحروب والانتهاكات.
وبينما لا يزال سبب تعليق حساب القنصلية البريطانية في القدس مجهولًا في ظل غياب أي تفسير رسمي من منصة 'إكس'، فإن الحادثة أعادت طرح سؤال بات يتكرر مع كل تصعيد يتعلق بالقضية الفلسطينية: هل لا تزال منصات التواصل مجرد وسائط لنقل المعلومات، أم أنها أصبحت لاعبًا مؤثرًا في تشكيل الرواية، من خلال ما تسمح بانتشاره وما تقرر حجبه عن الجمهور؟

























































