اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
لماذا لا ترتقي بعض الأحزاب الأردنية إلى مستوى الرؤية الملكية المتقدمة لتطوير الحياة السياسية؟ ولماذا لا تزال بعض الممارسات الحزبية دون مستوى الطموح الوطني، في ظل ضعف وضوح البرامج، وغياب المواقف السياسية المحددة، ومحدودية القدرة على تحويل الشعارات والوعود إلى عمل سياسي منظم ومؤثر؟ إنها أسئلة تستحق نقاشاً صريحاً، في مرحلة ينتظر فيها الأردنيون أحزاباً فاعلة قادرة على مواكبة مشروع التحديث السياسي.
لقد وضع جلالة الملك مشروعاً واضحاً لتحديث الحياة السياسية، من خلال الأوراق النقاشية الملكية، وتشكيل اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، وإقرار تشريعات فتحت المجال أمام المشاركة الحزبية، وصولاً إلى برلمان تتعزز فيه الهوية البرامجية والحزبية تدريجياً. ولم تكن هذه الخطوات مجرد تعديلات قانونية، بل مشروعاً وطنياً لبناء حياة سياسية قائمة على البرامج والكفاءة والمسؤولية.
وجاء التوافق الأخير بين أربع كتل نيابية بشأن توزيع مواقع المكتب الدائم لمجلس النواب، بما فيها موقع الرئاسة وبقية المواقع، ليؤكد إمكانية الحوار والوصول إلى تفاهمات مشتركة. وهي خطوة يمكن البناء عليها، لكن نجاحها الحقيقي سيظهر في قدرة هذه الكتل على تقديم أداء تشريعي ورقابي فاعل، لا في مجرد التوافق على المواقع.
إن بوصلة الأحزاب الأردنية يجب أن تكون الأردن أولاً، وسيادة الوطن واستقلال قراره، وصون الحقوق السياسية للمواطن. كما ينبغي أن تنطلق مواقفها من فهم عميق لمتطلبات الأمن القومي الأردني، وأن تتعامل بمسؤولية مع القرارات الاستراتيجية التي تتخذها الدولة لحماية مصالح المملكة وأمنها وسيادتها. فالأحزاب يجب أن تكون أردنية في هويتها وقرارها وبرامجها، مستقلة في مواقفها، بعيدة عن أي أجندات أو تدخلات خارجية. والاختلاف في البرامج والأفكار حق مشروع، أما الولاء للأردن فثابت لا يقبل المساومة.
والعمل الحزبي لا يُقاس بعدد المنتسبين أو المقاعد، بل بقدرته على صياغة مواقف سياسية واضحة، وإدارة الاختلاف داخلياً، والالتزام بقرارات الأغلبية الحزبية، التي تصبح ملزمة لجميع أعضائه في ممارستهم البرلمانية، بما يعزز وحدة الموقف الحزبي ويترجم برامجه إلى سياسات وتشريعات.
ومن الضروري أن يركز مجلس النواب على دوره الأساسي في التشريع والرقابة ومساءلة الحكومة، وألا تطغى المطالب الخدمية اليومية على هذه المسؤوليات. فالمجالس المحلية المنتخبة، كلٌّ ضمن اختصاصه، معنية بمتابعة احتياجات المواطنين وقضاياهم الخدمية والتنموية، بما يعزز التكامل بين المؤسسات المنتخبة ويتيح للنائب التركيز على دوره الوطني.
كما يتطلب تطوير الأداء النيابي تعزيز الكفاءة والوعي والقدرة على تحمل المسؤولية، بما يمكّن النائب من فهم التشريعات ومناقشتها وممارسة دوره الرقابي بفاعلية، إلى جانب تمثيل المواطنين والتعبير عن قضاياهم.
لقد تجاوز الأردن مرحلة الدعوة إلى الحياة الحزبية، ودخل مرحلة اختبار قدرتها على تقديم نموذج مختلف في العمل العام. فالرؤية الملكية وضعت الأساس، والتشريعات فتحت الأبواب، لكن المطلوب اليوم أحزاب تمتلك برامج قابلة للتطبيق، ومواقف واضحة، وقيادات قادرة على إدارة العمل السياسي بمسؤولية، وقواعد حزبية ملتزمة بقراراتها وبرامجها، وقادرة على تحويلها إلى عمل سياسي وإنجاز ملموس.
ويبقى السؤال: هل تنجح أحزابنا في الانتقال من مرحلة الحضور والتنظيم إلى مرحلة التأثير والإنجاز، وتضع الأردن وأمنه القومي ومصلحة مواطنيه فوق الحسابات الشخصية والحزبية الضيقة؟

























































