اخبار سوريا
موقع كل يوم -سيريانديز
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
سيريانديز.. محمد أحمد خبازي
أناخت الظروف المعيشية الصعبة بثقلها على كاهل العديد من الأسر السورية، التي لاتستطيع تأمين الحد الأدنى من مستلزماتها اليومية، وهو ما أدى ـ ويؤدي ـ إلى خلافات أسرية شتى قد تدفع بقطبي الأسرة 'الرجل والمرأة' إلى المحاكم بعد تنامي الشقاق وتفاقم الخلاف واتساع الجفاء، بقصد الطلاق أبغض الحلال عند الله.
وتغص المحاكم الشرعية بحالات كثيرة لأزواج يبتغون الطلاق لعدم قدرة الزوجة عموماً على تحمل شظف العيش وضيق ذات يد الزوج.
ويرى الخبير بشؤون الأسرة المحامي 'سمير عصام البطل' أن تردّي الوضع المعيشي للأسرة من أسباب الطلاق الرئيسة، نتيجة الضغوط الماديّة التي تفاقم الخلافات الزوجية، وخصوصاً في هذه الظروف القاسية التي يمر بها مجتمعنا، حيث ازدياد تكاليف المعيشة وانعدام فرص تأمين المدخول الموازي، وسعي كل من الزوجين للبحث عن مصادر دخل جديدة.
وبيَّنَ لـ'سيريانديز' أن مظاهر تردي الوضع المعيشي على الأسرة، تتجلى في عجزها عن تلبية الاحتياجات الأساسية وتراجع جودة حياتها اليومية، الأمر الذي ينعكس سلبياً على العلاقة بين الزوجين وعلى الأسرة بشكل عام.
وأوضح أن هذه المعاناة تظهر بشكل مباشر في عدة جوانب رئيسة منها: الأمن الغذائي وسوء التغذية، حيث يؤدي تردي الوضع المعيشي إلى تدني جودة الغذاء وعدم تنوعه، واضطرار الأسرة للاعتماد على أطعمة رخيصة ومنخفضة القيمة الغذائية والاستغناء عن اللحوم والفواكه والمشتقات الحيوانية، ما يسبب أعراض سوء التغذية.
ولفت إلى أن من مظاهر تلك المعاناة أيضاً الاعتماد على الاقتراض لتلبية الاحتياجات الأساسية، وهو ما يراكم الديون، والعجز عن سدادها يؤدي بدوره إلى شعور بعدم الأمان والاستقرار داخل المنزل، والخوف من المستقبل، واضطرار الزوجين للتقشف الإجباري والتخلي عن الكثير من الرفاهيات، وأحياناً الضروريات، يولد شعوراً بالإحباط والحرمان، خاصة عند مقارنة وضعهما بآخرين.
وبحسب المحامي البطل فإن تراجع الرعاية الصحية من تلك المعاناة أيضاً، فتردي الوضع المادي يؤدي للعجز عن الاستطباب وشراء الأدوية وإهمال علاج الأمراض المزمنة.
وأن أزمة السكن وشح الخدمات الأساسية، من أهم أسباب الطلاق أيضاً، فسوء الوضع المادي للأسرة يدفعها للانتقال إلى مساكن رديئة وغير صحية أو في مناطق عشوائية هرباً من الإيجارات المرتفعة، وعجزها في تسديد فواتير الكهرباء والمياه والإنترنت يحرمها منها.
ويرى المحامي البطل أن اختلاف الأولويات المالية، أي طريقة الإدارة المالية للأسرة غالباً ما يسبب الخلافات نتيجة تباين وجهات النظر حول كيفية إنفاق الدخل المحدود؛ كأن يرى أحد الطرفين شراء شيء ما ضرورةً، بينما يراه الآخر رفاهيةً يمكن الاستغناء عنها.
وذكر أن تغير الأدوار الاجتماعية، كأن تضطر الزوجة للعمل للمساعدة في المصاريف، قد يتحول إلى مصدر خلاف إذا لم يرافقه توزيع عادل للمسؤوليات المنزلية، أو إذا شعر الزوج بتهديد لمكانته التقليدية كمُعيل.
ويضاف إلى ذلك بيع الأصول والمدخرات، من مصاغ ذهبي وأثاث منزلي، أو عقارات لسداد الديون العاجلة أو الطارئة، ما يفاقم الخلافات الزوجية.
وقال: إن فقدان الأمان، يجعل أحد الطرفين أو كلاهما يشعر بأن الشراكة الزوجية أصبحت عبئاً يهدد استقراره الشخصي بدلاً من أن تكون ملاذاً آمناً.
في حين غياب الرفاهية المشتركة، كانعدام الأنشطة الترفيهية للأسرة يجعل الحياة الزوجية روتينية وجافة وخالية من مظاهر التجديد والبهجة.
وأضاف: إن هذه الحال تزيد احتمالية العنف الأسري، فقد أثبتت دراسات اجتماعية كثيرة أن الضغوط الاقتصادية الشديدة ترفع من معدلات العنف اللفظي والجسدي داخل الأسرة، كنوع من أنواع تفريغ الضغط بشكل عنيف، وهو ما يعجل بنهاية الحياة الزوجية بشكل مباشر.
وأما فيما يتعلق بالآثار النفسية والاجتماعية ـ يتابع المحامي البطل ـ أن غياب لغة الحوار نتيجة التوتر الدائم والخلافات المستمرة على أصغر التفاصيل المادية، يدمر المودة والسكينة بين الطرفين، ويدفعهما للطلاق وتفكك الأسرة، كما يؤدي إلى تنامي شعور القلق والاكتئاب لدى معيل الأسرة وإحساسه بالعجز والاضطرار الدائم للتفكير في كيفية تأمين المصاريف، ما يسبب له أزمات نفسية حادة ويدفعه للانعزال الاجتماعي والانقطاع عن المناسبات الاجتماعية والزيارات العائلية لعدم القدرة على دفع تكاليف التنقل أو تبادل الهدايا.
وأكد إلى أن الزيجات الحديثة تعدُّ الأكثر تضرراً، خاصة عند بدء الحياة الزوجية بديون ناتجة عن تكاليف الزفاف الباهظة وتجهيز منزل الزوجية.
وأن تفاقم الوضع المعيشي ومشاهد المعاناة والضغوط التي يتعرض لها المتزوجون يدفع الجيل المؤهل للزواج للابتعاد عن هذه الخطوة، وهو ما يزيد نسبة العنوسة من جهة، ونسبة العلاقات خارج الزواج من جهة ثانية وما يترتب عليها من مشكلات متعددة الأوجه.
وعن كيفية المواجهة وسبل معالجة هذه المشكلة المجتمعية والحد من مخاطرها، شدد المحامي البطل على أن مواجهة الضغوط المادية وتجنب مخاطر الانفصال، يتطلبان تحويل الأزمة المالية من سبب للشقاق إلى فرصة للتعاون والتكامل بين الزوجين، عبر تطبيق استراتيجيات عملية مشتركة لحماية العلاقة الزوجية من التفكّك، ومنها: الشفافية المالية، أي مصارحة الطرفين بالوضع الاقتصادي الواقعي بدون تبادل الاتهامات أو تحميل أحدهما المسؤولية المطلقة.
وإدارة النفقات بإعادة ترتيب أولويات الأسرة والتركيز على الأساسيات وتجنب الالتزامات المالية غير الضرورية.
ومنها الدعم النفسي والاجتماعي وذلك بتعزيز لغة التفاهم والتعاون المشترك، واعتبار الأزمة ظرفاً مؤقتاً يتطلب التكاتف لا الانفصال.
والتفكير الاقتصادي التشاركي، أي البحث عن مصادر دخل إضافية عن طريق تشجيع عمل المرأة، أو بحث الزوج عن عمل إضافي، أو التفكير بمشاريع منزلية صغيرة تسهم في تخفيف الأعباء، وإعادة جدولة الديون بوضع خطة سداد واعية والابتعاد تماماً عن الاستدانة من أجل الاستهلاك اليومي.
وضبط لغة الحوار وتجنب اللوم بالتوقف عن تبادل الاتهامات بين الزوجين بتردي المعيشة، واستخدام عبارات الدعم بدلاً من صيغة الهجوم، وفصل المشكلات المالية عن العاطفة، ووضع ميزانية مرنة كأن توزع المصاريف المتاحة على أسابيع الشهر والالتزام الصارم بها.
ومن تلك الاستراتيجية أيضاً حماية خصوصية العلاقة، أي حصر الخلافات بين الزوجين وعدم إدخال الأطراف الخارجية، التي قد تزيد الأمور تعقيداً وتحرج الشريك وتعمق الفجوة.
وأيضاً تجنُّب مقارنة وضع الأسرة المادي بوضع الأقارب أو الأصدقاء، أو بما يُعرض على وسائل التواصل الاجتماعي، لأن المقارنات تولد الإحباط والرفض غير المبرر.
ومنها الدعم النفسي والروحي المتبادل، وذلك باستحضار قيم القناعة والصبر، والتأمل في أن الأحوال الاقتصادية متغيرة ومتقلبة وليست دائمة، وتخصيص وقت للتواصل والمودة من خلال ممارسة أنشطة بسيطة غير مكلفة لتعزيز الرابط العاطفي (كالحديث الإيجابي، أو التنزه مشياً، أو الاستماع المشترك) لتجديد العاطفة وتفريغ الضغوط.




































































