اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٢٤ أب ٢٠٢٦
خاص الهديل الإخبارية….
بقلم: نورهان نجار
لا تبدو زيارة ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى باريس مجرد محطة جديدة في مسار العلاقات الثنائية بين السعودية وفرنسا، بل تأتي في مرحلة تتداخل فيها الحسابات الاقتصادية مع التطورات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة. فاللقاء مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يفتح الباب أمام بحث مجموعة واسعة من الملفات، تبدأ من الاقتصاد والاستثمار، ولا تنتهي عند الطاقة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، مرورًا بالأزمات الإقليمية التي تفرض نفسها بقوة على أجندة العواصم الكبرى.
وتسعى السعودية خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع قاعدة اقتصادها وتنويع مصادر دخلها، في إطار مشاريع التحول الاقتصادي ورؤية المملكة المستقبلية. ومن هنا، تكتسب الشراكة مع فرنسا أهمية تتجاوز التبادل التجاري التقليدي، لتشمل الاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية والمشاريع الكبرى. وبالنسبة إلى باريس، تمثل السعودية شريكًا اقتصاديًا وماليًا مهمًا في منطقة الخليج، في وقت تسعى فيه فرنسا إلى تعزيز حضورها في الأسواق الخليجية والاستفادة من الاستثمارات والمشاريع الكبرى التي تشهدها المنطقة. لذلك، فإن أي اتفاقات اقتصادية أو استثمارية قد تخرج من الزيارة لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها مكاسب تجارية، بل باعتبارها جزءًا من إعادة رسم خريطة الشراكات الاقتصادية بين الرياض والعواصم الأوروبية.
ورغم التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة عالميًا، لا تزال الطاقة تحتل موقعًا أساسيًا في العلاقات السعودية-الفرنسية، لكن طبيعة النقاش لم تعد محصورة بالنفط والغاز، بل باتت تشمل مستقبل الطاقة والتحول نحو مصادر أكثر استدامة والتقنيات المرتبطة بها. وهنا تبرز مصلحة مشتركة، إذ تمتلك السعودية الموارد والاستثمارات والقدرة على تمويل مشاريع ضخمة، بينما تمتلك فرنسا الخبرات والشركات والتقنيات التي يمكن أن تساهم في مشاريع الطاقة المستقبلية. ومن هذا المنطلق، قد تتحول الطاقة من ملف تقليدي إلى مساحة جديدة للتعاون في التكنولوجيا والاستثمار والابتكار.
ولعل أحد أبرز الملفات التي تعكس طبيعة المرحلة هو الذكاء الاصطناعي، إذ لا تنظر السعودية إلى هذه التكنولوجيا باعتبارها قطاعًا تقنيًا فقط، بل كأداة يمكن أن تدخل في الاقتصاد والصناعة والطاقة والخدمات والبنية التحتية. وفي المقابل، تحاول فرنسا تعزيز موقعها في السباق الأوروبي والعالمي لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وجذب الاستثمارات في هذا المجال. وبالتالي، فإن التعاون السعودي-الفرنسي في الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحمل بعدًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا، لكنه قد يحمل أيضًا بعدًا استراتيجيًا، خصوصًا مع احتدام المنافسة العالمية على امتلاك التكنولوجيا والبيانات والقدرات الرقمية.
لكن الاقتصاد ليس وحده على طاولة المحادثات، فالشرق الأوسط يعيش مرحلة شديدة التعقيد، من الحرب في غزة إلى التوترات الإقليمية والملفات الأمنية والسياسية التي تتقاطع فيها مصالح دول المنطقة والقوى الدولية. وتحاول السعودية في السنوات الأخيرة تعزيز دورها كطرف فاعل في معالجة أزمات المنطقة، فيما تسعى فرنسا إلى الحفاظ على حضورها السياسي والدبلوماسي في الشرق الأوسط. ومن هنا، فإن لقاء محمد بن سلمان وماكرون يحمل أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ يمكن أن يشكل فرصة لتبادل وجهات النظر بشأن ملفات المنطقة، ومحاولة تنسيق المواقف حيال الأزمات التي تتطلب تحركًا دبلوماسيًا دوليًا.
وتستند العلاقات السعودية-الفرنسية إلى مصالح متبادلة، إلا أن الطرفين يدخلان هذه المرحلة بأهداف مختلفة. فالرياض تبحث عن شراكات تساعدها في تنفيذ مشاريعها الاقتصادية والتكنولوجية وتعزيز موقعها الدولي، بينما تريد باريس توسيع حضورها الاقتصادي والاستراتيجي في الخليج والحفاظ على دورها كلاعب مؤثر في قضايا الشرق الأوسط. وبين هذين الهدفين، تبدو زيارة محمد بن سلمان إلى باريس فرصة للطرفين لإعادة صياغة الشراكة على أساس أوسع، يجمع بين الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، إلى جانب الملفات السياسية والأمنية.
وعليه، فإن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في الاتفاقات التي قد تُعلن خلالها، بل في طبيعة العلاقة التي تحاول الرياض وباريس بناءها للمرحلة المقبلة؛ علاقة تتجاوز التعاون التقليدي إلى شراكة أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الجديد والتكنولوجيا والاستثمار، من دون أن تغفل عن الملفات السياسية والأمنية التي ما زالت تفرض نفسها بقوة على المنطقة.











































































