اخبار فلسطين
موقع كل يوم -سما الإخبارية
نشر بتاريخ: ١٦ نيسان ٢٠٢٦
يبرز اسم خليل الوزير، المعروف بلقب 'أبو جهاد'، كواحد من أكثر القادة الفلسطينيين تأثيراً في تاريخ العمل الفدائي، حيث نجح في إدارة دفة المقاومة من الظل لسنوات طويلة. بصفته الرجل الثاني في حركة 'فتح' ومسؤول 'القطاع الغربي'، وضع الوزير استراتيجيات عسكرية أربكت المنظومة الأمنية الإسرائيلية، معتمداً على السرية التامة والابتعاد عن الأضواء السياسية.
بدأت رحلة 'أبو جهاد' مع النضال من رحم المعاناة، حيث ولد في مدينة الرملة عام 1935 وشهد بنفسه فظائع النكبة عام 1948. يروي في شهاداته التاريخية كيف حاصرت العصابات الصهيونية السكان، وكيف نجا بأعجوبة من إطلاق نار مباشر أثناء رحلة التهجير القسري التي انتهت به وبعائلته في قطاع غزة، وهي التجربة التي صقلت وعيه بضرورة الكفاح المسلح.
في غزة، لم يطل انتظار الوزير للانخراط في العمل المنظم، حيث ارتبط بجماعة الإخوان المسلمين عام 1952، لكنه سرعان ما غادرها بسبب تباين الرؤى حول الكفاح المسلح. بدأ بتشكيل خلايا عسكرية مستقلة نفذت عمليات جريئة، كان أبرزها تفجير خزان مياه 'زوهر' عام 1955، مما شكل بداية مساره كقائد ميداني لا يهاب المواجهة.
شهدت فترة الخمسينيات لقاءه التاريخي بياسر عرفات في الإسكندرية، وهو اللقاء الذي وضع اللبنات الأولى لتأسيس حركة 'فتح' في الكويت لاحقاً. ومنذ تلك اللحظة، كرس 'أبو جهاد' حياته لبناء التنظيم السري، متنقلاً بين الجزائر وسوريا ولبنان، حيث أشرف على تأسيس المكاتب العسكرية وتدريب الكوادر الفدائية على فنون حرب العصابات.
في سوريا، عُرف الوزير بلقب 'أبو كتف'، وكان يحظى بهيبة كبيرة بين المقاتلين رغم بساطته وتجنبه للمظاهر الرسمية. ويؤكد رفاقه الذين عايشوه في تلك المرحلة أنه كان يفضل الإصغاء على الكلام، ويصب جل تركيزه على تطوير العمليات داخل الأرض المحتلة، بعيداً عن التجاذبات السياسية التي كانت تعصف بالساحة العربية آنذاك.
انتقل الثقل العسكري لـ 'أبو جهاد' إلى لبنان بعد عام 1970، حيث أدار من بيروت وصور أعقد العمليات الفدائية في العمق الإسرائيلي. كان يشرف شخصياً على أدق التفاصيل، بما في ذلك اختيار المقاتلين وتحديد الأهداف، معتمداً على شبكة استخباراتية واسعة مكنته من الوصول إلى أهداف استراتيجية حساسة.
من أبرز العمليات التي ارتبطت باسمه، عملية الشهيدة دلال المغربي عام 1978، والتي شكلت صدمة عنيفة للاحتلال بوصول الفدائيين إلى قلب تل أبيب. وتكشف المصادر أن الوزير كان يتابع سير الزوارق من تلة في جنوب بيروت، موجهاً التعليمات ومراقباً للتحركات البحرية بدقة متناهية لضمان نجاح الإنزال على الشواطئ الفلسطينية.
كان أبو جهاد يعلم كل شيء عما حصل معي داخل السجن، وتبيّن لاحقاً أن المحقق الإسرائيلي الذي تولى التحقيق معي كان قد جنده لصالحه.
لم تقتصر عبقرية 'أبو جهاد' على التخطيط العسكري، بل امتدت لتشمل اختراق المنظومة الأمنية الإسرائيلية من الداخل بطرق غير تقليدية. ويروي اللواء قاسم رمضان حادثة مذهلة عن اكتشافه أن المحقق الإسرائيلي الذي استجوبه في المعتقل كان مجنداً لصالح 'أبو جهاد'، مما سمح للأخير بمعرفة كل ما يدور خلف أسوار السجون.
كان الوزير يؤمن بضرورة إعداد الأجيال القادمة، فكان يرسل أبناءه إلى القواعد العسكرية في جنوب لبنان ليعيشوا حياة الفدائيين. كما كان يعتمد على 'الأشبال' في مهام نقل الرسائل السرية بين القيادات، لتعزيز روح المسؤولية والقيادة لديهم، وهي السياسة التي خرجت جيلاً من القادة الميدانيين الملتزمين بالقضية.
تعد عملية 'فندق سافوي' في تل أبيب عام 1975 نموذجاً آخر على جرأة التخطيط الذي تميز به الوزير، حيث استهدفت العملية ضرب مراكز القرار الإسرائيلي. ورغم القصف العنيف الذي تعرض له الفدائيون، إلا أن العملية حققت أهدافها السياسية والعسكرية، وأثبتت قدرة المقاومة على اختراق كافة التحصينات الأمنية الإسرائيلية.
في أواخر حياته، أشرف 'أبو جهاد' على عملية مفاعل ديمونا عام 1988، وهي العملية التي اعتبرتها إسرائيل تجاوزاً لكافة الخطوط الحمراء. كانت هذه العملية، التي نفذها ثلاثة فدائيين في قلب النقب، السبب المباشر الذي عجل بقرار اغتياله في تونس، بعد أن بات يشكل تهديداً استراتيجياً لا يمكن السكوت عنه.
اغتيل خليل الوزير في 16 أبريل 1988 في عملية كوماندوز إسرائيلية معقدة استهدفت منزله في تونس، ليسدل الستار على حياة حافلة بالتضحية. ترك رحيله فراغاً كبيراً في قيادة الثورة الفلسطينية، لكنه ترك خلفه مدرسة في العمل العسكري السري لا تزال تدرس مبادئها في أروقة المقاومة حتى يومنا هذا.
تميزت شخصية 'أبو جهاد' بالقدرة على الجمع بين القيادة العسكرية الصارمة والإنسانية العالية مع مقاتليه وعائلاتهم. كان يتابع شؤون الأسرى والمحررين بدقة، ويحرص على تأمين احتياجاتهم، مما جعل منه رمزاً للأب والقائد في آن واحد، وهو ما يفسر حالة الإجماع الوطني حول شخصيته وتاريخه.
اليوم، وبعد مرور عقود على استشهاده، تظل سيرة خليل الوزير مرجعاً أساسياً لفهم تطور الكفاح المسلح الفلسطيني. إن الأسرار التي تكشفها الشهادات الحية تؤكد أن 'مهندس الانتفاضة' لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان عقلاً مدبراً استطاع تحويل الإمكانيات البسيطة إلى أدوات ضغط استراتيجية غيرت مجرى الصراع.

























































