اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
لم تكن الانتخابات النصفية الأمريكية التي جرت في الثالث من تشرين الثاني 2026 مجرد منافسة بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل حملت نتائجها رسالة سياسية واقتصادية تستحق أن تتوقف عندها الحكومات والأحزاب في العالم، وفي مقدمتها أحزابنا الأردنية.
فالناخب الأمريكي، رغم اعتزازه بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحلم الأمريكي وتكافؤ الفرص، لم يجعل الشعارات وحدها معياراً لاختياره، بل وضع في مقدمة أولوياته ما يمس حياته اليومية: غلاء المعيشة، وارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والعلاج، وفرص العمل، ومستقبل أبنائه، ومحاسبة المسؤولين على أدائهم.
والرسالة واضحة: الولاء الحزبي ليس شيكاً على بياض، والناخب الأمريكي لا يمنح ثقته إلى الأبد لمن يعجز عن تحسين حياته، مهما كانت قوة حزبه أو تاريخه السياسي.
واللافت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدّث عن منح المواطنين الأمريكيين مبلغاً مالياً، في إطار وعوده الاقتصادية، ومع ذلك لم تكن الوعود المالية وحدها كافية لضمان تأييد الناخبين للجمهوريين.
وهنا تكمن رسالة تستحق التأمل: الوعود المالية، مهما بلغت قيمتها، لا تضمن ولاء الناخب الأمريكي، ولا تعوّض بالضرورة شعوره بتراجع مستوى معيشته أو قلقه على مستقبل أسرته.
وهذا درس ينبغي أن نتعلمه في عالمنا العربي، حيث ما زلنا نشهد في بعض مجتمعاتنا شراء الأصوات بالمال والخدمات والوعود، وكأن صوت المواطن سلعة تُباع وتُشترى، لا أمانة يحدد بها مستقبل وطنه وأبنائه.
فالشعوب لا تعيش على الشعارات، ولا تُطعم أبناءها بالخطب السياسية، ولا تبني مستقبلها بالمناكفات الحزبية. المواطن يريد دخلاً يكفي أسرته، وتعليماً جيداً لأبنائه، ورعاية صحية تحفظ كرامته، وفرص عمل تفتح أمام الشباب أبواب المستقبل، ومؤسسات تحارب الفساد وتحمي المال العام.
ومن هنا أوجّه رسالة مباشرة إلى أحزابنا الأردنية:
كفانا انشغالاً بالجدل حول لباس الناس وطول السراويل والمهرجانات والقضايا الهامشية، بينما ينتظر الوطن منكم ما هو أكبر وأهم.
أين برامجكم للنهوض بالاقتصاد الوطني؟ أين مشاريعكم لمواجهة البطالة والفقر؟ أين مبادراتكم لدعم الصناعة والزراعة والبحث العلمي وتطوير التعليم والصحة والنقل؟ وأين دوركم في محاربة الفساد وترسيخ العدالة وتكافؤ الفرص؟
نريد أحزاباً تتنافس على إنشاء المصانع لا على فرض الوصاية على المجتمع، وعلى دعم الجامعات ومراكز الأبحاث لا على مراقبة تفاصيل حياة الناس، وعلى توفير فرص العمل لا على توزيع الوعود والشعارات.
نريد نهضة علمية وصناعية واجتماعية حقيقية، تقودها عقول أردنية مؤهلة، وتترجم فيها المعرفة إلى إنتاج، والبحث العلمي إلى اختراعات، والاستثمار إلى فرص عمل، والتعليم إلى مستقبل أفضل لأبنائنا.
لقد أظهرت الانتخابات الأمريكية أن حتى المعاقل الانتخابية التي ظلت لعقود محسوبة على حزب معين يمكن أن تتغير عندما تتبدل أولويات الناخبين وتتراجع ثقتهم بأداء من يمثلونهم.
وأتمنى أن أرى شعوبنا العربية أكثر وعياً بحقوقها، وأكثر قدرة على محاسبة أحزابها وقياداتها، بدلاً من الانسياق وراء الشعارات الرنانة والوعود الجوفاء. فقد دفع عالمنا العربي أثماناً باهظة لعقود طويلة من الشعارات الناصرية والبعثية والقومية والجهادية والتكفيرية، ودعوات العودة إلى الخلافة وإقامة الدولة الإسلامية، وغيرها من المشاريع الأيديولوجية التي وعدت الشعوب بالمجد والوحدة والعدالة، لكنها تحولت في تجارب عديدة إلى صراعات على السلطة، واستبداد، وانقسامات وحروب استنزفت الأوطان ومقدراتها.
فكم من أجيال ضاعت أحلامها، وكم من شعوب دفعت ثمن أوهام سياسية ودينية، بينما بقي المواطن العربي ينتظر الحرية والكرامة ولقمة العيش!
ومتى يصبح المواطن العربي هو من يحاسب الأحزاب ويحدد أولوياتها، بدلاً من أن يبقى أسيراً لشعاراتها، يدفع ثمن إخفاقاتها جيلاً بعد جيل؟

























































