اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٥ تموز ٢٠٢٦
تاريخ المشاريع الاستعمارية لا يعرف الانفصام بين بنيتها الجوهرية وطبيعتها العدوانية، إذ إن كل محاولة لتجميل القوة القائمة على الاحتلال والاستيطان تنتهي دائمًا بالفشل، وببساطة؛ لأن المشروع الإحلالي لا يستطيع أن يرتدي ثوب 'الضحية' طويلًا، قبل أن يسقط في أول اختبار دموي. فمنذ عقود، لم يقتصر سلوك الاحتلال على استهداف الأرض أو المقدسات، بل تجاوز ذلك ليشكل تهديدًا وجوديًا لشعب كامل، عبر القتل والتجويع، أو التهجير والاستيطان، ومحو الرواية الفلسطينية، في محاولة لفرض واقع جديد يقوم على القوة والإرهاب وحدهما. ولو اختار الاحتلال طريقًا آخر غير القمع والإبادة، أو حاول كسب الشرعية بدلًا من فرضها بالنار، لربما استطاع إطالة عمر مشروعه قليلًا، إلا أن طبيعة الاستعمار الاستيطاني تحمل دائمًا في باطنها عوامل انهيارها واندثارها؛ لأنها لا تستطيع الاستمرار والتقدم إلا عبر القتل والإرهاب، وهو عنف يتحول مع الزمن إلى عبء على أصحاب المشروع ذاته، قبل أن يكون كارثة على ضحاياه.
ولا يقتصر المأزق على الاحتلال وحده، بل يمتد إلى البيئة السياسية التي سمحت له بتكريس وقائعه على الأرض. فالمشهد الفلسطيني الرسمي يكشف عن مفارقة مؤلمة؛ ففي كل مرة يسيل فيها الدم الفلسطيني، تتكرر الصورة ذاتها دون أي تغيير، حتى لو كان شكليًا، إمعانًا في استهلاك الصورة وتفريغها من مضمونها؛ اجتماعات عاجلة، واتصالات دبلوماسية، وبيانات إدانة، وتهديدات لا يعقبها أي فعل وازن على الأرض. وفي المقابل، يتحرك الاحتلال والمستوطنون بسرعة وحسم، فيصادرون الأراضي، ويوسعون المستوطنات، ويحرقون المنازل، ويقتحمون القرى، ويقتلون الفلسطينيين، ثم يغادرون وقد فرضوا واقعًا جديدًا على الأرض. والفارق بين الطرفين لم يعد في الإمكانات فقط، بل في طبيعة الفعل ورد الفعل؛ أحدهما يصنع الوقائع، والآخر يكتفي بوصفها وإدانتها، حتى بات الساسة الفلسطينيون يتحولون تدريجيًا إلى حكواتيين، أو مراسلين صحفيين ينقلون للشارع الفلسطيني - الذي يعيش الأحداث واقعًا - ما يحدث.
وقد تجلت هذه الحقيقة مجددًا مع الهجوم الذي شنه المستوطنون أمس على بلدة تل جنوب نابلس، والذي أسفر عن أربعة شهداء وعدد آخر من الجرحى الفلسطينيين، في مشهد بات يتكرر بوتيرة متسارعة جدًا، وفواصل زمنية أقل، حتى بات أقرب إلى أن يكون 'اعتياديًا'. وبينما كان الفلسطينيون يشيعون أبناءهم - إن تمكنوا من ذلك - كانت القيادة الفلسطينية تعود إلى الأدوات ذاتها التي تجربها للمرة الألف، بل يزيد، والتي ثبت عجزها مرارًا وتكرارًا؛ بيانات، واتصالات، وتحذيرات، وكأن الاحتلال كان ينتظر بيانًا قبل أن يطلق رصاصة، أو يخشى اجتماعًا قبل أن يقدم على توسيع مستوطنة. لقد تحولت لغة البيانات الرسمية إلى طقوس بروتوكولية، لا تغير شيئًا في الوقائع أو موازين القوة على الأرض، فيواصل الاحتلال تنفيذ مشروعه بخطوات عملية ومدروسة، يتقدم يومًا بعد آخر، مدركًا أن كلفة أفعاله السياسية والأمنية تكاد تكون معدومة.
إن *أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط وحشية الاحتلال والمستوطنين، بل اعتياد المشهد؛ فالقيادة الفلسطينية اعتادت على إدارة المشهد بمنطق ردات الفعل الباهتة، لا بمنطق المبادرة*، في حين كان الاحتلال يبني استراتيجية طويلة المدى، ويصور للعالم أن ما يحدث هو خطر داهم، أو حرب فعلية تدور على الأرض، بينما تنشغل القيادة بإدارة الأزمات اليومية، دون أن تنجح حتى في إدارة أبسطها، كأزمة المحروقات مثلًا. وفي الوقت الذي كان فيه الاحتلال يغير الجغرافيا والديمغرافيا، كان الخطاب الرسمي الفلسطيني يكتفي بإعادة إنتاج اللغة ذاتها، تلك التي فقدت أثرها، داخليًا أو خارجيًا. وهكذا تتسع الفجوة بين شعب يدفع ثمن المواجهة كل يوم، وقيادة تبدو وكأنها تعيش في عالم آخر، منفصل عن نبض الشارع، وعن حجم التحديات والأخطار التي يفرضها المشروع الاستيطاني عليه يوميًا.
ومع ذلك، فإن التاريخ لا يمنح المشاريع الاستعمارية حصانة دائمة، فجميع التجارب الاستيطانية الكبرى اعتقدت أنها 'خالدة'، أو أن القوة العسكرية قادرة على إخضاع الشعوب إلى الأبد، كانت تكتشف في النهاية أن القتل لا يقتل الفكرة، وأن الاستيطان لا يمحو الهوية، وأن الشعوب قد تُنهك، لكنها لا تستسلم. وما يفعله الاحتلال اليوم من توسيع للاستيطان وتصعيد للقتل والحرق لا يعكس ثقة، بقدر ما يعكس خوفًا من المستقبل، وإدراكًا بأن الزمن لا يعمل لمصلحته، مهما امتلك من أدوات القوة والدعم الدولي.
غير أن *عدالة القضية وحدها لا تكفي، فالشعوب تحتاج إلى قيادة ترتقي إلى مستوى تضحياتها، قيادة تصنع المبادرة بدلًا من انتظار الأحداث، وتبني عناصر القوة الوطنية بدلًا من الاكتفاء بإدارة بيانات الغضب*. فالأوطان لا تحميها البلاغات الصحفية، ولا يردع الاحتلال سيل الإدانات، بل تحميها الإرادة السياسية القادرة على تحويل التضحيات إلى مشروع وطني جامع. وفي الوقت الذي يواصل فيه المستوطنون فرض الوقائع على الأرض، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى ستظل القيادة الفلسطينية تهدد، فيما الاحتلال والمستوطنون هم وحدهم من يفعلون؟

























































