اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
قبل مرور قداسة البابا لاوون الرابع عشر على الطريق المؤدّية إلى جل الديب صعوداً باتّجاه دير الصليب للقاء الراهبات والعاملين والمرضى والمنسيّين، تجمْهر الناس بانتظاره لنثر الورود ونيل بركته، كما حدث في كلّ محطّة من محطّات زيارته التاريخيّة والمباركة إلى لبنان.
مراسلة MTV كانت تسجّل تعليقات المواطنين والمواطنات من الفئات العمريّة المتفاوتة. وردّاً على سؤال، قالت إحدى السيّدات المنتظرات في طقسٍ بارد: أنا من الدامور. ساكنة في انطلياس. أتيت سيْراً إلى جل الديب لرؤية قداسة البابا. وأضافت بحسرة:كنت أتمنّى لو شملت جولاته طريق بيروت–صيدا مروراً بالدامور، لكنّا حضّرنا استقبالاً مميّزاً لقداسته في بلدتي الأمّ، غير البعيدة عن صيدا التي أتاها السيّد المسيح مرّات عدّة، وقد يكون وصل إلى الدامور في تنقّلاته. مّن يدري؟
كشفت هذه السيّدة عن مكنونات قلبها، غير أنّ حديثها أكّد تفضيلها العودة إلى مكان ولادتها ونشأتها وتربيتها ودراستها. فما المانع إذاً الذي يحول دون ذلك حتى الآن؟ هل الأسباب أمنية؟ أو اقتصادية؟ أو اجتماعية؟ أو لشعور بعدم الاطمئنان وعدم الاستقرار وعدم استتباب الأمن وترسّخ الأمان، ولخشية من البيئة المحيطة؟ أو بسبب تحوّل البلدة إلى مرحلة مطويّة؟صحّت توقّعاتُ الأرصاد الجويّة، وحلّ عيدُ الميلاد المجيد هذه السنة من دون شتاء ولا زمهرير ولا أصوات البرق والرعد ولا كنزات الصوف وكفوف الجلد والقبّعات المخمليّة. هذا العام لم يشبهالذي سبقه بخمسين عاماً، أي في كانون الأول عام 1975 حاملاً العواصف والبرد والشتاء الغزير. في هذا الشهر من هذه السنة المشؤومة، لم يُزيّن أبناءُ الدامور بيوتهم وكنائسهم ومدارسهم. لم يقصّوا شجرةالصنوبر من الحرش القريب. لم يتفنّنوابتخيّل شكل المغارة التي وُلد المخلّصُ فيها. كانوا محاصَرين من الجهات الأربع. تُقصف منازلهم. تسقط الضحايا على مذابح الشهادة. ذكرى التهجير في 20 كانون الثاني. لكنّ الحرب اندلعت قبل أسابيع. مصيرٌ مجهول. خوف. مرض. جوع.نزوح إلى الكنائس والمدارس وإلى خارج البلدة لمن استطاع إلى ذلك مهرباً.التهجير أخذ أشكالاً متعدّدة. قسم من الناس نجا بذاته إلى جزين ودير المخلّص ودير القمر والسعديات، ومنها انتقلوا في القوارب إلى الكسليك.منهم من بقي في البلدة بعد سقوطها، وأخذهم الفلسطينيّون أسرى إلى حين مجيء أشخاص من آل العيّاش في بعورته كانوا على علاقة أخوية وصداقة وعمل مع عائلة الياس عبدالله المتني، فحرّروهم واستقبلوهم في بيوتهم لفترة زمنية قبل أن ينتقلوا إلى دير راهبات القلبين الأقدسين في فالوغا ومنها إلى ريفون. لا اتّصالات عادية ولا هواتف خليوية حينها للاستفسار والاطمئنان والتنبيه. كلّ شيء عالعتّيمة. اضافة إلى هذه الحالة المرعبة والاستثنائيّة، لم يترك الداموريّون عناصر الجيش والمقاتلين الذين استبسلوا في الدفاع عنهم. فكانوا يخبزون بما تيسّر من الطحين والغاز والحطب، ويوزّعون على الشباب الخبز المجبول بالعنفوان والعزيمة.
يبقى هذا الكلام للذكرى والتأمّل والبناء عليه للخروج من الوضع الدراماتيكيّ الذي يحنّ بعض أبناء البلدة إليه، وأوقعوا أنفسهم أسرى فيه، بينما خرج آخرون منه، وبنوا حياتهم ومستقبلهم دون حنين إلى الماضي. وهكذا، نجحوا في خياراتهم، وفضّلوا العيش باستقرار وطمأنينة وسكينة وراحة بال.
بلدة الدامور بعد خمسين عاماً على ذكرى تهجير أبنائها وحرق كنائسها وتدمير بيوتها، ليست المرتجى. لم ترتقِ للأسف، إلى الموقع والدور والمكانة الذي يطمح أبناؤها أن تصل إليه. لم تتموقع أو تتمركز كمدينة-قطب-عاصمة في قلب قضاء الشوف، وعلى الخط الساحلي الاستراتيجيّ بين بيروت والجنوب. التحيّة الأولى إلى العائدين الأبطال مهما كانت أعدادهم. وإن كانت الاحصاءات عن نسبتهم غير مشجّعة. واقع المؤسّسات السياحيّة والتجاريّة والصناعية يشبه تردّد عدم المتحمّسين إلى العودة. مئات الأبنية والشقق السكنيّة والمحال قائمة على الباطون تنتظرغودو. أو قانون الانتظام المالي، والسندات التي وعد رئيس الحكومة نواف سلام بها.
وضعُ الدامور مُحيًّر. يصعب تشخيص كيفيّة تعافيه من الجمود، والسبيل لاخراجه من الثلّاجة. يستغرب المراقب عند مروره من الشويفات أو طريق المطار إلى صيدا، سائلاً لماذا تُبنى المولات Malls والمراكز التجاريةCentresفي خلدة وحارة الناعمة والناعمة، وتغيب هذه المؤسّسات عن الاوتوستراد في الدامور التي تُبقي نشاطُها محصوراً ببسطات العمّال السوريين لبيع الخضار كأنّها منطقة عكّارية نائية؟ وعندما يلقى الجواب بأنّ نسبة الاستثمار محدّدة بـ 5% ، يجيب فوراً: إذا عُرف السبب بطُل العجب.
هناك جهات داموريّة تتمسّك بهذه النسبة ومرتاحة إليها، لسبب في نفس يعقوب، بينما هي تتذرّع بأن ذلك يشكّل سدّاً منيعاً أمام زحف الشيعة إلى البلدة. هؤلاء لا يشيرون إلى مخاوفهم من زحف السنّة أو الدروز أو الروم مثلاً. وهناك فئات أخرى يعود اقتناعُها إلى ما زرعته الجهات الداموريّة، بأنّ وليد جنبلاط هو الرافض لرفع نسبة الاستثمار. بعد مراجعة مصادر وزاريّة في الحزب التقدّمي الاشتراكي حول هذا الأمر، فإنّها تنفي علاقة المختارة بهذه المسألة. أمّا إذا صحّ الاتّهام ضدّ الزعيم الجنبلاطي، فلماذا تُغيِّب القوى المسيحيّة الوازنة في المنطقة مثل التيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانية دورها وتتنصّل من التدخّل في هذه القضيّة الحيويّة؟ ولماذا لم يبادر المسؤولون في بلدية الدامور، وهم أنفسهم منذ التسعينيّات من القرن الماضي، الى تقديم مشروع تعديل الاستثمار الى المديريّة العامة للتنظيم المدني؟لا جدوى اقتصادية لأيّ مشروع ينوي صاحبه الاستثمار فيه، وتكون نسبة الاستثمار متدنّية إلى هذا الحد. لذلك يُشيح بنظره عنه، ويفتّش عن مكان آخر. هل الهدف هو تهريب أصحاب رؤوس الأموال، تحت ذرائع تقيّد وتحاصر المالك وتُبعد عنه الاستفادة من حقّ مشروع له. هاجر قسم لا بأس به من الـدوامرة، وأسّسوا عائلات ومهن وفرص عمل، ونجحوا حيث استقرّوا. متوسّط أعمارهم يتراوح بين ستين وسبعين عاماً. أولادهم أسّسوا بدورهم عائلات، أو أصبحوا في سنّ الزواج. وهذا الجيل الثاني والثالث المتمركز في كندا والولايات المتحدة والبرازيل وغيرها من البلدان البعيدة يزور لبنان كلّ ثلاث إلى خمس سنوات في أحسن الأحوال. يربطه ببلدته وقريته وضيعته وبيت أجداده خيط رفيع قد ينقطع في أيّ لحظة.
تتطلّب هذه الصورة الواقعيّة، العمل الجدّي على الصعيد الداموري، والانخراط في نظرة مستقبليّة وايجابيّةوالانطلاق بورشة مشتركة بين المخلصين وما أكثرهم، والتحرّر من أفكار مسبقة، والتخلّص من معتقدات غير واقعيّة وواهية تٌبقي الدامور أسيرة العقلية القديمة التي تحكّمت بها طيلة ثمانين عاماً.











































































