اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
رغم التصعيد الميداني في الجنوب، لا تزال المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية مستمرة برعاية أميركية، فيما تتكثف الاتصالات لإعادة تحريك المسار الدبلوماسي، وسط حديث عن جولة جديدة مرتقبة في روما خلال أيلول. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن واشنطن ما زالت تمسك بمفتاح هذا المسار، وتدفع باتجاه اتفاق يضمن انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً مقابل تثبيت انتشار الجيش اللبناني ومنع إعادة تكوين البنية العسكرية لحزب الله في الجنوب.
في موازاة ذلك، يبدو أن حزب الله يدخل مرحلة مختلفة عن تلك التي اعتادها خلال السنوات الماضية. فالحزب، الذي كان يتحرك ضمن هامش واسع توفره العلاقة الاستراتيجية مع إيران، يجد نفسه اليوم أمام واقع إقليمي جديد، بعدما تراجعت قدرة طهران على إدارة تفاصيل ساحات نفوذها، وتزايد الضغط الأميركي والإسرائيلي عليها. وتكشف التطورات الأخيرة أن إيران نفسها باتت أمام أولويات أكثر إلحاحاً تتعلق بأمنها واقتصادها وبقائها، ما يجعل قدرتها على تقديم الدعم السياسي والعسكري السابق لحلفائها أكثر محدودية. وهنا تبدأ الواقعية بالظهور داخل حسابات الحزب. فالمسألة لم تعد فقط في قدرة حزب الله على رفض التسويات، بل في قدرته على الاستمرار في مواجهة مسار دولي وإقليمي يتشكل حول لبنان. والولايات المتحدة أوضحت بصورة مباشرة أن الدولة اللبنانية هي الجهة الشرعية الوحيدة المخولة بالتفاوض حول مستقبل لبنان، وأن المطلوب من حزب الله هو معالجة مسألة سلاحه. لذلك، فإن انتقال الحزب نحو خطاب أكثر واقعية لا يعني بالضرورة التخلي الفوري عن كل مواقفه، لكنه قد يعني إدراكاً متزايداً بأن زمن القرارات الخارجية الجاهزة قد انتهى، وأن عليه أن يتعامل مع الدولة اللبنانية باعتبارها الإطار الذي لا يمكن تجاوزه.المعادلة الجديدة تبدو واضحة: إيران لم تعد قادرة على أن تكون المظلة نفسها التي كانت عليها، وإسرائيل لا تبدو مستعدة للعودة إلى الوضع السابق، وواشنطن مصرة على إبقاء المفاوضات ضمن مسار يؤدي في النهاية إلى تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها. وفي المقابل، يدرك الحزب أن الاستمرار في الرفض المطلق قد يتركه أمام خيار أصعب بكثير من التفاوض.من هنا، قد تكون الواقعية التي بدأت تظهر في خطاب حزب الله ليست نتيجة اقتناع مفاجئ، بل نتيجة تبدل عميق في موازين القوى. فحين تضيق مساحة المناورة الإقليمية، تصبح التسوية أقل كلفة من المواجهة، ويصبح التفاوض وسيلة لحماية ما يمكن حمايته، بدلاً من التمسك بشروط لم تعد الظروف تسمح بفرضها.المعركة المقبلة إذاً لن تكون فقط على سلاح حزب الله، بل على شكل لبنان بعد انتهاء هذه المرحلة. فإذا نجحت الرعاية الأميركية في تثبيت مسار تفاوضي جدي، فقد يجد الحزب نفسه مضطراً إلى الانتقال من موقع الطرف الذي يفرض شروطه بقوة السلاح إلى طرف سياسي يحاول إدارة خسائره ومكاسبه داخل الدولة.
وفي النهاية، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كان حزب الله سيبقى كما كان، بل إلى أي مدى يستطيع أن يتكيف مع لبنان جديد تتراجع فيه الوصاية الإقليمية، وتتقدم فيه الدولة، وتصبح المفاوضات الطريق الأكثر واقعية للخروج من دائرة الحرب.











































































