اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
آه يا حمود... ما أقسى أن يتحول بيت العبادة إلى مسرح للدم، وأن تتحول الجنازة، التي يجتمع فيها الناس لوداع أحبّتهم، إلى مأساة جديدة، وأن تختلط دموع الفراق بأصوات الرصاص، ويصبح المعزّون أنفسهم ضحايا يحتاجون إلى من يعزّي بهم.
في كنيسة حمود بمدينة الكرك، لم يكن المستهدفون مجرد أشخاص اجتمعوا في مكان واحد، بل كانت هناك حرمة للموت، وقدسية لبيت العبادة، وقيم إنسانية واجتماعية توارثناها جيلًا بعد جيل. فما عرفنا في الأردن يومًا أن تُنتهك حرمة جنازة، أو أن يصبح تقديم واجب العزاء مناسبة للخوف والموت.
آه يا حمود... أي وجع هذا الذي أصاب الكرك؟ تلك المدينة التي عرفناها عنوانًا للنخوة والشهامة والكرامة، والتي لم تكن يومًا تسأل عن دين الإنسان قبل أن تفتح له أبوابها، أو تمد له يد العون، أو تشاركه فرحه وحزنه.
في الأردن، لم تكن 'الكنيسة' يومًا غريبة عن 'المسجد'، ولم يكن 'جرس الكنيسة' بعيدًا عن 'صوت الأذان'. فقد عاش الأردنيون، مسلمون ومسيحيون، في نسيج اجتماعي واحد، تجمعهم الأرض والذاكرة والمصير، ويتقاسمون الخبز والفرح والحزن، ويحرسون معًا قيم المحبة والعيش المشترك.
إن الاعتداء على جنازة داخل كنيسة ليس جريمة بحق الضحايا وعائلاتهم فحسب، بل اعتداء على الضمير الإنساني، وعلى منظومة القيم التي تحمي المجتمعات من السقوط في دوامة الكراهية والعنف.
ولا توجد عقيدة سماوية، ولا قيمة أخلاقية، ولا عادة عربية أصيلة، تمنح أحدًا الحق في قتل الأبرياء أو ترويع الآمنين. فالقتل لا يصبح مشروعًا بتغيير الشعارات، والإجرام لا يكتسب شرعية حين يرتدي ثوب الدين.
أما الحديث عن الجهة التي تقف وراء هذه الجريمة، فيجب أن يبقى مرهونًا بالأدلة ونتائج التحقيق. فقد تثير طبيعة الهجوم وتسلسله تساؤلات جدية حول التخطيط والتنظيم، لكن تحديد المسؤولية لا يكون بالانطباعات، بل بالحقائق التي تكشفها الجهات المختصة.
والأخطر من الرصاص نفسه أن ينجح مرتكبو مثل هذه الجرائم في زرع الشك بين أبناء الوطن الواحد. فالمجتمعات لا تنهار فقط حين تُستهدف أجساد أبنائها، بل حين تُصاب الثقة بينهم، وحين يتحول الخوف إلى انقسام، والحزن إلى كراهية.
وهنا تكمن مسؤوليتنا جميعًا؛ أن نرفض الجريمة دون تردد، وأن نتمسك بوحدتنا دون مساومة، وألا نسمح لأي جهة بأن تجعل من دماء الأبرياء وسيلة لتمزيق المجتمع الأردني.
آه يا حمود... لقد أوجعتِ قلوبنا، وأعدتِ تذكيرنا بأن الأمن ليس مجرد غياب للعنف، بل هو شعور الإنسان بأنه آمن في بيته وشارعه ومسجده وكنيسته، وحتى في لحظة وداع أحبّته.
رحم الله الضحايا، وشفى المصابين، وربط على قلوب الأمهات والآباء والأبناء، وحفظ الكرك وأهلها، وحفظ الأردن من كل شر.
ستبقى الكرك أكبر من الجريمة، وسيبقى الأردن أكبر من الفتنة، وستبقى دماء الأبرياء أمانة في أعناقنا جميعًا.
آه يا حمود... ما أصعب الوجع حين يُقتل الأمان في بيت الصلاة.

























































